الرئيسية أخبار الشاعر

أخبار الشاعر

الأخبار الخاصة بالشاعر والإعلامي نافع آل عجي

  • مناسبة عشاء نافع بن محيا آل عجي على شرف بعض رجالات عنزه

    مناسبة عشاء نافع بن محيا آل عجي على شرف بعض رجالات عنزه

    ملتقى آل عجي – اللجنة الإعلامية :

    أقام

    نافع بن محيا آل عجي

    مناسبة عشاء مساء الجمعة 27 – 12 – 1444 هـ
    في منزله بالحفير
    على شرف بعض رجالات عنزه
    يتقدمهم

    الشيخ سعود بن طلب العنزي
    الشيخ فايز بن معزي العنزي
    الشاعر سالم بن محمد العنزي
    الشاعر غنــام عوض الحبلاني
    يوسف الخميش
    كساب صالح العنزي
    فجر الادهم العنزي
    عبدالكريم دغيم العنزي
    خالد بن سعود العنزي
    خالد بن فايز العنزي
    صالح بن كساب العنزي
    سعود بن سالم الشميلي

    وقد أقيمت عدد من الشبات قبل وبعد مناسبة العشاء
    قبل العشاء

    – عبيد ضيف الله الدبلان
    – سليمان عبدالله العامر
    – مرضي متروك السرعوفي

    بعد العشاء

    – محمد حمدان المخلف وإخوانه

    وإليكم الصور:

    شبة سليمان عبدالله العامر
    شبة مرضي متروك السرعوفي
    شبة محمد حمدان المخلف واخوانه
    شبة عبيد ضيف الله الدبلان
    صور مناسبة عشاء نافع محيا آل عجي
  • الشاعر نافع بن محيا آل عجي يجري عملية جراحية تكللت بالنجاح

    الشاعر نافع بن محيا آل عجي يجري عملية جراحية تكللت بالنجاح

    أجرى

    الشاعر نافع بن محيا آل عجي

    عملية جراحيه في أوتار ألكتف الأيسر، تكللت بالنجاح ولله الحمد بالنجاح، وكان ذلك في مستشفى الأمير متعب بن عبدالعزيز بالجوف على يد الدكتور المميز

    صقر الرويلي

    يوم الأربعاء الماضي الموافق 26-7-1445هـ .

    الحمد لله على السلامة أبو فيصل وطهور إن شاء الله تعالى

  • الجمعية السعودية للمحافظة على التراث تكّرم الشاعر نافع محيا آل عجي

    الجمعية السعودية للمحافظة على التراث تكّرم الشاعر نافع محيا آل عجي

    حصل الشاعر

    نافع محيا آل عجي

    على شهادة شكر وتقدير من الجمعية السعودية للمحافظة على التراث، وذلك نظير مشاركته ومساهمته الكريمة ضمن ورشة العمل التعريفية لترشيح ملف الشعر النبطي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)ز

    جاء ذلك خلال ورشة العمل التي أقيمت بحضور كوكبة من الشعراء والشاعرات بمنطقة حائل ، بفندق الميلينيوم بجامعة حائل، بتاريخ15 – 6 – 1445 هـ الموافق 7 – 1 – 2024 م .

    وثمنت الجمعية جهود الشاعر “نافع آل عجي” القيمة في حفظ وتوثيق التراث والسعي لإحيائه ونقله للأجيال القادمة، متمنين له مزيدا من التقدم والنجاح والاستمرار ف هذا العطاء.

  • مناقب الإمام أحمد

    مناقب الإمام أحمد

    *الْحَمْدُ لِلهِ الذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ, يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى, وَيَنْهَوْنَهُ عَنِ الرَّدَى، وَيُحْيُونَ بِكِتَابِ اللهِ الْمَوْتَى، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَهْلَ الْجَهَالَةِ وَالرَّدَى، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَكَمْ مِنْ ضَالٍ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ، فَمَا أَحْسَنَ آثَارَهُمْ عَلى النَّاسِ: يَنْفُونَ عَنْ دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ, وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ, وَتَأْوِيلَ الضَّالِّينَ, تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا, أَمَّا بَعْدُ:
    فَقَالَ الْمَرُّوْذِيُّ: أَدْخَلْتُ إِبْرَاهِيْمَ الْحُصْرِيَّ – وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا – عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ, فَقَالَ الْحُصْرِيُّ: يَا أبَا عَبْدِ اللهِ إِنَّ أُمِّي رَأَتْ لَكَ مَنَامًا، هُوَ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَتِ الجَنَّةَ. فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَا أَخِي، إِنَّ سَهْلَ بْنَ سَلاَمَةَ كَانَ النَّاسُ يُخْبرُونَهُ بِمِثْلِ هَذَا، وَخَرَجَ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ. ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الرُّؤيَا تَسُرُّ المُؤْمِنَ وَلاَ تَغُرُّهُ.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ فِي تَارِيخِ الْعُظَمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي سِيَرِ الْعُلَمَاءِ لَعِبَرًا، وَإِنَّ فِي أَحْوَالِ النُّبَلَاءِ لَمُدَّكَرًا، وَإِنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ فِي الْفَضْلِ شُمُوسٌ سَاطِعَةٌ, وَفِي الْعِلْمِ نُجُومٌ لَامِعَةٌ, فَهُمْ بِحَقٍّ أَنْوَارُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، ألَا وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ هَؤَلَاءِ الْأَئِمَّةِ، الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيَّ, أَحَدُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالسَّادَةِ الْأَعْلَامِ.
    قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: قَالَ لِي أَبُو زُرْعَةَ: أَبُوكَ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيْثٍ. فَقِيْلَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: ذَاكَرْتُهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الأَبْوَابَ.
    قَالَ الذَّهَبِيُّ: فَهَذِهِ حِكَايَةٌ صَحِيْحَةٌ فِي سَعَةِ عِلْمِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكَانُوا يَعُدُّوْنَ فِي ذَلِكَ المُكَرَّرَ، وَالْأَثَرَ، وَفَتْوَى التَّابِعِيِّ، وَمَا فُسِّرَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
    وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْقَهَ, وَلَا أَوْرَعَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
    وَقَالَ حَرْمَلَةُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: خَرَجتُ مِنْ بَغْدَادَ، فَمَا خَلَّفْتُ بِهَا رَجُلًا أَفْضَلَ، وَلَا أَعْلَمَ، وَلَا أَفْقَهَ، وَلَا أَتْقَى مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
    وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَحْمَدُ حُجَّةٌ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ.
    وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: إِنِّي لَأَتَدَيَّنُ بِذِكْرِ أَحْمَدَ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْهُ.
    وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُحِبُّ أَحْمَدَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ.
    وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِيْنٍ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ، صَحِبنَاهُ خَمْسِيْنَ سَنَةً، مَا افْتَخَرَ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِيْهِ مِنَ الخَيْرِ.
    وَقَالَ الْمَرُّوْذِيُّ: حَضَرتُ أَبَا ثَوْرٍ أَحَدَ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ شَيْخُنَا وَإِمَامُنَا فِيْهَا كَذَا وَكَذَا.
    وَقَالَ الْمَرُّوْذِيُّ: قَالَ لِي الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا كَتَبْتُ حَدِيْثًا إِلَّا وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ، حَتَّى مَرَّ بِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ احْتَجَمَ، وَأَعْطَى أَبَا طَيْبَةَ دِيْنَارًا، فَأَعْطَيْتُ الحَجَّامَ دِيْنَارًا حِيْنَ احْتَجَمْتُ.
    وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَتْ مَجَالِسُ أَحْمَدَ مَجَالِسَ الآخِرَةِ، لاَ يُذكَرُ فِيْهَا شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، مَا رَأَيْتُهُ ذَكَرَ الدُّنْيَا قَطُّ.
    وَقَالَ النَّسَائِيُّ: جَمَعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ المَعْرِفَةَ بِالحَدِيْثِ, وَالفِقْهِ, وَالوَرَعِ, وَالزُّهْدِ, وَالصَّبرِ.
    وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: وَإِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ المُنْتَهَى فِي مَعْرِفَة السُّنَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَفِي مَعْرِفَةِ الحَدِيْثِ وَفُنُونِهِ، وَمَعْرِفَةِ الفِقْهِ وَفُرُوْعِهِ. وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ, وَالوَرَعِ, وَالعِبَادَةِ, وَالصِّدْقِ. وَكَانَ مَهِيْبًا فِي ذَاتِ اللهِ، حَتَّى لَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: مَا هِبْتُ أَحَدًا فِي مَسْأَلَةٍ، مَا هِبْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ.

    *فَقَالَ الْمَرُّوْذِيُّ: قُلْتُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ يَوْمًا: مَا أَكْثَرَ الدَّاعِي لَكَ! قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا اسْتِدْرَاجًا؛ بِأَيِّ شَيْءٍ هَذَا؟ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: قَدِمَ رَجُلٌ مِن طَرَسُوْسَ، فَقَالَ: كُنَّا فِي بِلَادِ الرُّوْمِ فِي الغَزْوِ إِذَا هَدَأَ اللَّيْلُ، رَفَعَ الْمُجَاهِدُونَ أَصوَاتَهُم بِالدُّعَاءِ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَالَ: كُنَّا نَمُدُّ المِنْجَنِيْقَ، وَنَرمِي عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
    وَلَقَدْ رَمَى أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِحَجَرٍ أَحَدَ الْعُلُوجِ، وَالعِلْجُ عَلَى الحِصْنِ مُتَتَرِّسٌ بَدَرَقَةٍ – وَالدَّرَقَةُ: تُرْسٌ مِنْ جِلْدٍ – فَذَهَبَ الْحَجَرُ بِرَأْسِ الْعِلْجِ وَبَالدَّرَقَةِ. قَالَ الْمَرُّوْذِيُّ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ: لَيْتَهُ لَا يَكُوْنُ اسْتدرَاجًا.
    وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيلةٍ ثَلَاثَ مِائَةِ رَكْعَةٍ، فَلَمَّا مَرِضَ وَضَعُفَ كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَليلَةٍ مِائَةً وَخَمْسِيْنَ رَكْعَةً.
    وَقَالَ صَالِحُ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي كَثِيْرًا يَقُوْلُ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ.

  • مناقب الإمام أبي حنيفة

    مناقب الإمام أبي حنيفة

    *الْحَمْدُ لِلهِ الذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانٍ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ, يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى, وَيَنْهَوْنَهُ عَنِ الرَّدَى، وَيُحْيُونَ بِكِتَابِ اللهِ الْمَوْتَى، وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَهْلَ الْجَهَالَةِ وَالرَّدَى، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَكَمْ مِنْ ضَالٍ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ، فَمَا أَحْسَنَ آثَارَهُمْ عَلى النَّاسِ: يَنْفُونَ عَنْ دِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ, وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ, وَتَأْوِيلَ الضَّالِّينَ, تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا, أَمَّا بَعْدُ:
    فَوَقَعَ يَوْمًا بَيْنَ الْخَلِيفَةِ الْمَنْصُورِ وَزَوْجَتِهِ شِقَاقٌ وَخِلَافٌ بِسَبَبِ مَيْلِهِ عَنْهَا، فَطَلَبَتْ مِنْهُ الْعَدْلَ, فَقَالَ لَهَا: مَنْ تَرْضَيْنَ فِي الْحُكُومَةِ بَيْنِي وَبَيْنِكِ؟ قَالَتْ: أَبَا حَنِيفَةَ، فَرَضِيَ هُوَ بِهِ, فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ زَوْجَتِي تُخَاصِمُنِي فَأَنْصِفْنِي مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: لِيَتَكَلَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: كَمْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِن النِّسَاءِ؟ قَالَ: أَرْبَعٌ. قَالَ الْمَنْصُورُ لِزَوْجَتِهِ: أَسَمِعْتِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا أَحَلَّ اللهُ هَذَا لِأَهْلِ الْعَدْلِ, فَمَنْ لَمْ يَعْدِلْ, أَوْ خَافَ أَنْ لَا يَعْدِلَ فَوَاحِدَةٌ, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) فَسَكَتَ الْمَنْصُورُ وَطَالَ سُكُوتُهُ، فَقَامَ أَبُو حَنِيفَةَ وَخَرَجَ, فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ زَوْجَةَ الْمَنْصُورِ خَادِمًا وَمَعَهُ مَالٌ وَثِيَابٌ، فَرَدَّهَا, وَقَالَ: أَقْرِئْهَا السَّلَامَ, وَقُلْ لَهَا: إِنَّمَا نَاضَلْتُ عَنْ دِينِي, وَقُمْتُ بِذَلِكَ الْمَقَامَ لِلهِ, وَلَمْ أَرِدْ بِذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى أَحَدٍ, وَلَا الْتَمَسْتُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا شَيْئًا.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ فِي تَارِيخِ الْعُظَمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي سِيَرِ الْعُلَمَاءِ لَعِبَرًا، وَإِنَّ فِي أَحْوَالِ النُّبَلَاءِ لَمُدَّكَرًا، وَإِنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ فِي الْفَضْلِ شُمُوسٌ سَاطِعَةٌ, وَفِي الْعِلْمِ نُجُومٌ لَامِعَةٌ, فَهُمْ بِحَقٍّ أَنْوَارُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، ألَا وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ هَؤَلَاءِ الْأَئِمَّةِ، أَبَا حَنِيْفَةَ النُّعْمَانَ بْنَ ثَابِتٍ الكُوْفِيَّ, أَحَدُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالسَّادَةِ الْأَعْلَامِ.
    تَتَلْمَذَ عَلَى يَدِ مُفْتِي الْحَرَمِ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعُنِيَ بِطَلَبِ الآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ.
    قَالَ عَنْهُ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: هُوَ عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ، وَلَمْ يُتَّهَمْ بِالكَذِبِ.
    وَقَالَ عَنْهُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: لَوِ انْشَقَّتْ عَنْهُ الْأَرْضُ لَانْشَقَّتْ عَنْ جَبَلٍ مِن الْجِبَالِ فِي الْعِلْمِ, وَالْكَرَمِ, وَالْمُوَاسَاةِ, وَالْوَرَعِ, وَالْإيثَارِ لِلّهِ تَعَالَى.
    وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَذْكِيَاءِ بَنِي آدَمَ.
    وَقِيْلَ لِلْقَاسِمِ بنِ مَعْنٍ قَاضِي الْكُوفَةِ: أَتَرضَى أَنْ تَكُوْنَ مِنْ غِلمَانِ أَبِي حَنِيْفَةَ؟ قَالَ: مَا جَلَسَ النَّاسُ إِلَى أَحَدٍ أَنْفَعَ مِنْ مُجَالَسَةِ أَبِي حَنِيْفَةَ.
    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قِيْلَ لِمَالِكٍ: هَلْ رَأَيْتَ أَبَا حَنِيْفَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَجُلًا لَوْ كُلَّمَكَ فِي هَذِهِ السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا ذَهَبًا، لَقَامَ بِحُجَّتِهِ. وَفِى رِوَايَةٍ: لَوْ جَاءَ إِلَى أَسَاطِينِكُمْ فَقَايَسَكُمْ عَلَى أَنَّهَا خَشَبٌ لَظَنَنْتُمْ أَنَّهَا خَشَبٌ.
    وَقَالَ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ: كَلاَمُ أَبِي حَنِيْفَةَ فِي الفِقْهِ، أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، لاَ يَعِيبُهُ إِلاَّ جَاهِلٌ.
    وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: الإِمَامَةُ فِي الفِقْهِ, وَدَقَائِقِهِ, مُسَلَّمَةٌ إِلَى هَذَا الإِمَامِ، وَهَذَا أَمرٌ لَا شَكَّ فِيْهِ. وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ * إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيْلِ
    وَسِيْرَتُهُ تَحْتَمِلُ أَنْ تُفرَدَ فِي مُجَلَّدَيْنِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَرَحِمَهُ -.

    *فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: مَا أَبْعَدَ أَبَا حَنِيفَةَ عَن الْغِيبَةِ، مَا سَمِعْتُهُ يَغْتَابُ عَدُوًّا، قَالَ سُفْيَانُ: وَاللهِ هُوَ أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يُسَلِّطُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مَا يَذْهَبُ بِهَا.
    وَقَالَ شَرِيْكٌ: كَانَ أَبُو حَنِيْفَةَ طَوِيْلَ الصَّمْتِ، كَثِيْرَ العَقْلِ.
    وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: قَامَ أَبُو حَنِيْفَةَ لَيْلَةً يُرَدِّدُ قَوْلَهُ تَعَالَى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) يَبْكِي، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى الفَجْرِ.

  • مناقب أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

    مناقب أبي بكر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

    *فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: مَنْ كَانَ مُسْتَنًا: فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبةِ نبيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَنَقْلِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهمْ وَطَرَائِقِهمْ، فهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ.
    أَلَا وَاعْلَمُوا مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَفْضَلَ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ مَنْ عَانَقَتْ فَضَائِلُهُ السَّبْعَ الطِّبَاقَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ القُرَشِيُ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَهُوَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي لَزِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَصَحِبَهُ فِي جَمِيعِ الْغَزَواتِ وَالْأَسْفَارِ، وَيَكْفِيهِ فَخْرًا, ذِكْرُ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) وَقَدْ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالصِّدِّيقِ؛ لِكَمَالِهِ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، فعَنْ عَائِشَةَ رضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى: أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ؛ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيتِ الْمَقْدِسِ؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ, فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِئَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ لَقَدْ صَدَقَ, قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ فِي خَبَرِ السَّمَاءِ؛ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ, فَلِذلِكَ سُمِّيَ: أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبِتَهِ وَمَالِهِ: أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلَيْلًا مِنْ أُمَّتِي: لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ؛ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ) وَفِي الْبُخَارِيِّ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ) أَيْ خَاصَمَ, فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيءٌ، فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي؛ فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقَبَلْتُ إِلَيْكَ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ, ثَلَاثًا) ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَألَ أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لَا, فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ، حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ، وَاللهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ، فَقلْتُم: كَذَبْتَ، وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهْلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي، فَهْلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي) فَمَا أُوْذِيَ بَعْدَهَا.
    وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ دَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ خَمْسَةٌ مِنَ الْعَشَرةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ, وَهُمْ: عُثْمَانُ, وَطَلْحَةُ, وَالزَّبَيْرُ, وَسَعْدٌ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ, فَهَنِيئًا لَهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَؤَلَاءِ الْخَمْسَةُ فِي مِيزَانِ أَعْمَالِهِ.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَشَرَّفْنَا بِهِذِهِ الْخُطْبَةِ, بِخِدْمَةِ بَعْضٍ مِنْ مَنَاقِبِ الصِّدِّيقِ الْعَزِيزَةِ, وَالذَّبِّ عَنْ بَعْضٍ مِنْ فَضَائِلِهِ عَدِيمَةِ النَّظِيرِ, بِذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْيَسِيرَةِ, لَمْ نَقْصِدْ بِهَا التَّعْرَيفَ بِمَجْهُولٍ مِنْ فَضَائِلِهِ, وَلَا الرَّفْعَ لِمَخْفُوضٍ مِنْ مَنَاقِبِهِ, فَهُوَ مِنْ ذَلِكَ أَرْفَعُ مَكَانًا, وَأَجَلُّ شَأْنًا فَحُبُّهُ هُوَ وَسَائِرُ الْآلِ وَالصَّحَابَةِ, عِبَادَةٌ لِلهِ, نَرْجُو مِنَ اللهِ عَلَيْهَا عَظِيمَ الثَّوَابِ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ – أَيْ فِي الْعَمَلِ وَالْفَضِيلَةِ – فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) أَيْ مُصَاحِبٌ لِمَنْ أَحَبَّهُ فِي الدُّنْيَا, بِمَنْزِلَتْهِ فِي الْآَخِرَةِ.

    *فَاعْرِفُوا مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ وَأَنْزِلُوا عُظَمَاءَ الْإِسْلَامِ وَمَصَابِيحَهُ مَنَازِلَهُمْ اللَّائِقَةَ بِهِمْ, قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَانَ صَالِحُوا السَّلَفِ يُعَلِّمُونَ أَوْلَادَهُم, حُبَّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ, كَمَا يُعَلِّمُونَ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ.
    وَإِنَّ الْمَقَامَ لَيَسْتَدْعِي يَا رَعَاكُمْ اللهُ التَّحْذِيرَ مِنَ مَسْلَكِ الضَّالِّينَ الْمُخَالِفِينَ لِسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ, أَعْنِي الرَّوَافِضَ الْكَفَرَةَ الْهَالِكِينَ, مِمَّنْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ ـ زَعَمُوا – بِمُنَاصَبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَرِجَالَاتِ الْإِسْلَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ الْعَدَاءِ, فَيَتَشَيَّعُونَ بِذَلِكَ إِلَى عَلَيٍّ بِزَعْمِهِمْ, وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْهُمْ بَرَاءٌ, وَحَسْبُكَ مِنْ ضلَالِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ: أَنْ لَا وَلَاءَ لِآلِ الْبَيْتِ إِلَّا بِالْبَرَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ, وَمَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ بَاقِي الصَّحَابَةِ إِلَّا كُلُّ خَيْرٍ, فعَلِيٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَمَّى أَحَدَ أَبْنَائِهِ بِأَبِي بَكْرٍ وَالْآخَرَ بِعُمَرَ, أَلَا وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَوِ انتَقَصَهُم فَقَدْ تَحَرَّرَ مِن رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ, وَكَيْفَ لَا؟ وَالْقَدْحُ فِيهِمْ قَدْحٌ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؟! إِذْ هُمْ حَمَلَةُ الْآثَارِ, وَرُوَاةُ الْأَخْبَارِ, كَمَا قَالَ الطَّحَاويُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي عَقِيدَتِهِ: فَحُبُّهُم: أَيْ الصَّحَابَةُ, دِينٌ, وَإِيمَانٌ, وَإِحْسَانٌ, وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ, وَنِفَاقٌ, وَطُغْيَانٌ.

  • من آداب الإسلام

    من آداب الإسلام

    *فَالْإِسْلَامُ دِينٌ نَظَّمَ حَيَاةَ المُسْلِمِ الخَاصَّةَ وَالعَامَّةَ، وَلَقَدْ شَمَلَتْ تَعَالِيمُ هَذَا الدِّينِ مَحَاسِنَ الآدَابِ وَمَكَارِمَ الأَخْلَاقِ التي تُنَظِّمُ حَيَاةَ المُجْتَمَعِ الإسْلَامِيِّ، وَتَكْفَلُ لَهُ السَّعَادَةَ وَالمَحَبَّةَ وَالتَّرَابُطَ بَيْنَ أفْرَادِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الآدَابِ الإسْلامِيَّةِ الرَّفِيعَةِ، حَقُّ الطَّرِيقِ وَآدَابُهُ، التي يَتَأَدَّبُ بِهَا المُسْلِمُ، وَبِتَحْقِيقِهَا يَرْقَى المُجْتَمَعُ الإسْلَامِيُّ, فَالطَّرِيقُ مِلْكٌ لِكُلِّ النَّاسِ، وَجَمِيعُ المَارَّةِ لَهُمْ حَقُّ الانْتِفَاعُ بِهِ، وَلِذَلِكَ حَذَّرَ الإسْلامُ مِن كُلِّ مَا يُؤْذِيِ المَارَّ بِالطَّرِيقِ، أوْ يُضَايِقَهُ, فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (إيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ: مَالَنَا مِن مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (فَإنْ أَبَيْتُمْ إلَّا المَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُّ عَن المُنْكَرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: (وَإرْشَادُ ابْنَ السَّبِيلِ, وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ إذَا حَمِدَ اللهَ) وَزَادَ البَّزَّارُ: (وَالإِعَانَةُ عَلَى الحَمْلِ) وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ: (وَأَعِينُوا المَظْلُومَ, وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا).
    وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ يَتَبَيَّنُ لَنَا حِرْصَ الإسْلامِ عَلَى مُرَاعَاةِ حُقُوقِ الآخَرِينَ, وَإحْسَاسِهِمْ، وَكَرَامَتِهِمْ, وَرَاحَتِهِمْ، فَلَمْ يَرْضَ الإسْلامُ أنْ يُطْلِقَ الجَالِسُ فِي الطَّرِيقِ نَظَرَهُ، فَيُحْرِجَ مَنْ يَمُرُّ بِالطَّرِيقِ وَخَاصَّةً مِن النِّسَاءِ، أوْ يُؤْذِي أَحَدٌ مِن المَارَّةِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِن أنْوَاعِ الإيذَاءِ الحَسِّيِّ أوِ المَعْنَوِيِّ، وَمِنْ ثَمَّ حَثَّ الإسْلامُ وَرَغَّبَ فِي إزَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ، التي تُدْخِلُ صَاحِبَهَا الجَنَّةَ, فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لاَ يُؤْذِيهِمْ. فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
    وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِحَقِّ الطَّرِيقِ فِي الإسْلامِ, آدَابُ المَشْيِ, بِأَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ فِي مِشْيَتِهِ مُتَوَاضِعًا, مُتَسَامِحًا, قَالَ تَعَالَى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) أَيْ يَمْشُونَ بِسَكِينَةٍ, وَوَقَارِ, وَتَوَاضُعٍ، فَلَا خُيَلَاءَ, وَلَا كِبْرَ، وَلَا تَعَالٍ, وَلَا افْتِخَارَ عَلَى النَّاسِ، وَيَتَحَمَّلُونَ أَذَى الغَيْرِ, وَيَتَسَاهَلُونَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ الآخَرِينَ.
    وَاللهُ تَعَالَى يُوَجِّهُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ إلَى هَذَا الخُلُقِ الكَرِيمِ, والأَدَبِ الرَّفِيعِ فِي مَشْيِهِمْ، فَيَقُولُ تَعَالَى: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَهَكُّمٌ بِالمُتَكَبِّرِينَ فِي مِشْيَتِهِمْ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ لِهَذا المُتَكَبِّرُ مَهْمَا ضَرَبْتَ الأَرْضَ أَيُّهَا المُتَكَبِّرُ بِقَدَمَيْكَ لِتُنَبِّهَ النَّاسَ إلَى عَظَمَتِكَ الفَارِغَةِ، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ خَرْقَ الأَرْضَ بِقَدَمَيْكَ، وَمَهْمَا رَفَعْتَ رأسك أَيُّهَا المُتَكَبِّرُ اخْتِيَالًا, وَعُجْبًا, فَلَنْ يَبْلُغَ طُولُكَ طُولَ الجِبَالِ، بَلْ أَنْتَ بِجَانِبِهَا ضَعِيفٌ, عَاجِزٌ, مَغْرُورٌ، وَعَاقِبَتُكَ وَخِيمَةٌ, وَنِهَايَتُكَ سَيِّئَةٌ، مَخْتُومَةٌ بِالحَسْرَةِ وَالعَذَابِ.
    وَفِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلِيهِ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ, تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ, مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ, إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ, فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
    وَيَدْخُلُ فِي هَذَا المَجاَلِ مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِن إزْعَاجِ الآَخَرِينَ بِآلَاتِ التَّنْبِيهِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ بِغَيْرِ حَاجَةٍ إلى ذَلِكَ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِن أَبْوَاقِ السَّيَّارَاتِ دُونَ حَيَاءٍ وَلَا مُرَاعَاةٍ لِشُعُورِ الآخَرِينَ.

    *فَإنَّ مِنَ الكَبْرِ, وَالخُيَلاءِ, وَالخُرُوجِ عَن آدَابِ الْإسْلَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَقِّ الطَّرِيقِ الإسْرَاعُ بِالسَّيَّارَاتِ, وَمُخَالَفَةُ قَوَاعِدِ المُرُورِ, التِي وُضِعَتْ لِتَحْفَظَ عَلَى النَّاسِ أَرْوَاحَهُمْ.
    أَلا وَلْيَعْلَمَ كُلُّ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذِهِ المَرْكَبَاتِ هِيَ مِن نِعَمِ اللهِ تَعَالَى العَظِيمَةِ, التِي يَجِبُ شُكْرُهَا، وَمِنْ شُكْرِهَا ألَّا يُؤْذَى بِهَا أَحَدٌ مِن النَّاسِ، وَالَّا يُفْسِدَ بِهَا فِي الأرْضِ, وَإذَا كَانَ دِينُنَا الحَنِيفُ قَدْ حَذَّرَ المُسْلِمَ مِن أنْ يَمْشِيَ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ يَحْمِلُ سِلاحًا مِنْ أيِّ نَوْعٍ كَانَ بِطَرِيقَةٍ مُخِيفَةٍ؛ لِأنَّ لَهُ تَأثِيرًا عَلَى نُفُوسِ النَّاسِ بِالإزْعَاجِ وَالإِخَافَةِ, فَكَيْفَ بِمَنْ يُلْحِقُ الأَذَى بِالنَّاسِ، أَوْ يُخِيفُهُمْ, أوْ يُزْعِجُهُمْ, أَوْ يُزْهِقُ أَرْوَاحَهُمْ بِسَيَّارَتِهِ.

  • معرفة الله تعالى

    معرفة الله تعالى

    *فَإِنَّ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ, وَمَنَازِلِهِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ, مَعْرِفَةُ الرَّبِّ الْعَظِيمِ, وَالْخَالِقِ الْجَلِيلِ؛ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى, وَمَا تَعَرَّفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ إِلَى عِبَادِهِ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    وَمَعْرِفَةُ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ أَفْضَلُ وَأَوْجَبُ مَا اكْتَسَبَتْهُ الْقُلُوبُ, وَحَصَّلَتْهُ النُّفُوسُ, وَأَدْرَكَتْهُ الْعُقُولُ، قَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقيِّمِ: فَالسَّيْرُ إِلَى اللهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: شَأْنُهُ عَجَبٌ, وَفَتْحُهُ عَجَبٌ، وَصَاحِبُهُ قَدْ سِيقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ, غَيْرَ تَعِبٍ, وَلَا مَكْدُودٍ.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَمِنَ الْإِيْمَانِ بِأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ: الْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ, وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ، وَأَنَّهُ الْحَيُّ القَيُّومُ الَّذِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وَأَنَّ لَهُ الْمَشِيئَةَ النَّافِذَةَ وَالْحِكْمَةَ الْبَالِغَةَ، وَأَنَّهُ سِمِيعٌ بَصِيرٌ، رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وَعَلَى الْمُلْكِ احْتَوَى، وَأَنَّهُ الْمَلِكُ, الْقُدُّوسُ, السَّلامُ, الْمُؤْمِنُ, الْمُهَيْمِنُ, الْعَزِيزُ, الْجَبَّارُ, الْمُتَكَبِّرُ، فَهُوَ جَلَّ جَلَالُهُ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ, وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ يُدَبِّرُ أَمْرَ الْمَمَالِكِ، فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى، وَيَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَيُحْيِيِ وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَيُدَاوِلُ الْأَيْامَ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُقَلِّبُ الدُّوَلَ، فَيَذْهَبُ بِدَوْلَةٍ، وَيَأْتِي بِأُخْرَى.
    وَأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلًمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، وَوَسِعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَحُكْمًا، وَوَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ؛ فَلَا تَخْتَلِفُ وَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ؛ بَلْ يَسْمَعُ ضَجِيجَهَا بِاخْتِلَافِ لُغَاتِهَا عَلَى تَنَوُّعِ حَاجَاتِهَا، فَلَا يَشْغَلْهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَأَحَاطَ بَصَرُهُ بِجَمِيعِ الْمَرْئِيَاتِ فَيَرَى النَّمْلَةَ السَّوْدَاءَ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ.
    فَالْغَيْبُ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ, وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ, لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَلَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ؛ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، وَشَمِلَتْ نِعْمَتُهُ كُلَّ حَيٍّ: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فَيَغْفِرُ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجُ هَمًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيَجْبُرُ كَسِيرًا، وَيُغْنِي فَقِيرًا، وَيُعَلِّمُ جَاهِلًا، وَيَهْدِي ضَالًا، وَيُرْشِدُ حَيْرَانًا، وَيُغِيثُ لَهْفَانًا، وَيُشْبِعُ جَائِعًا، وَيَكْسُو عَارِيًا، وَيَشْفِي مَرِيضًا، وَيُعَافِي مُبْتَلًى، وَيَقْبَلُ تَائِبًا، وَيَجْزِي مُحْسِنًا، وَيَنْصُرُ مَظْلُومًا، وَيَقْصِمُ جَبَّارًا، وَيُقِيلُ عَثْرَةً، وَيَسْتُرُ عَوْرَةً، وَيُأَمِّنُ خَائِفًا، وَيَرْفَعُ أقْوَامًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ.
    يَبْسُطُ يَدَهُ فِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ, وَيَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيلِ لِيَتُوبَ مُسِيئُ النَّهَارِ؛ مَلِكُ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِيْ لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، حِجَابُهُ النَّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ, يَمِينُهُ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ, مَلِكٌ لَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، وَلَا يَكْبُرُ عَلَيْهِ عَيْبٌ أَنْ يَسْتُرَهُ, وَلَا حَاجَةٌ يُسْأَلُهَا أَنْ يُعْطِيَهَا، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ, وَأَهْلَ أَرْضِهِ, وَإِنْسَهُمْ, وَجِنَّهُمْ, الْأَوَّلُونَ مِنْهُمْ وَالْآخِرُونَ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلًّا مِنْهُمْ مَا سَأَلَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدَهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَشْجَارَ الْأَرْضِ كُلَّهَا مِنْ يَوْمِ وُجِدَتْ إِلَى أَنْ تَنْقَضِي الدُّنْيَا أَقْلَامٌ، وَالْبَحْرُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ تُمِدُّهُ بِالْأَحْبَارِ، فَكُتِبَ بِتِلْكَ الْأَقْلَامِ, وَذَلِكَ الْحِبْرُ، لَفَنِيَتِ الْأَقْلَامُ وَنَفِدَ الْمِدَادُ، وَلَمْ تَنْفَدْ كَلِمَاتُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

    *فَسُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ الْحَلِيمِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ, الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيءٌ، وَالْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيءٌ, وَالظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيءٌ، وَالْبَاطِنُ الَّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيءٌ, أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبِدَ، وَأَحَقُّ مَنْ حُمِدَ، وَأَوْلَى مَنْ شُكِرَ, وَأَنْصَرُ مَنِ ابْتُغِيَ، وَأَرْأَفُ مَنْ مَلَكَ، وَأَجْوَدُ مَنْ سُئِلَ، وَأَوْسَعُ مَنْ أُعْطِىَ، وَأَعْفَى مَنْ قَدَرَ، وَأَعْدَلُ مَنِ انْتَقَمَ.
    هُوَ الْمَلِكُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْفَرْدُ لَا يَهْلَكُ، وَكُلُّ شَئٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَنْ يُطَاعَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَنْ يُعْصَى إِلَّا بِعِلْمِهِ، يُطَاعُ فَيَشْكُرُ، وَيُعْصَى فَيَغْفِرُ، أَقْرَبُ شَهِيدٍ، وَأَدْنَى حَفِيظٍ، كَتَبَ الْآثَارَ, وَنَسَخَ الْآجَالَ، الْقُلُوبُ لَهُ مُفْضِيَةٌ، وَالسِّرُّ عِنَدَهُ عَلَانِيَةٌ، وَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَ، وَالْأَمْرُ مَا قَضَى، وَالْخَلْقُ خَلْقُهُ، وَالْعَبِيدُ عَبِيدُهُ، وَهُوَ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ.

  • في ظلال سورة ق

    في ظلال سورة ق

    *فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ هِشَامِ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ, أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَالقَصْدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي المَجَامِعِ الكِبَارِ كَالْعِيدِ, وَالْجُمَعِ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الخَلْقِ وَالْبَعْثِ, وَالنُّشُورِ, وَالْمَعَادِ, وَالْقِيَامِ, وَالْحِسَابِ, وَالْجَنَّةِ, وَالنَّارِ, وَالثَّوَابِ, وَالْعِقَابِ, وَالتَّرْغِيبِ, وَالتّرْهِيبِ, وَاللهُ أَعْلَمَ.
    مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ: إنَّ العَمَلَ بِالْمَوْعِظَةِ خَيْرٌ, وَثَبَاتٌ, وَأَجْرٌ, وَهِدَايَةٌ, قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) فَلْنَقِفُ فِي ظِلَالِ هَذِهِ السُّورَةِ إِحْيَاءً لِلسُّنَّةِ, وَالْتِمَاسًا لِلْهِدَايَةِ, وَوَعْظًا لِلْقُلُوبِ.
    أَعُوذُ بِاللهِ مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    (ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ * أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ) أَيْ مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ مُدَّةَ مُقَامِهِمْ فِي بَرْزَخِهِمْ (وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ) أيْ مَحْفُوظٌ مِن التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ )بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ) أَيْ مُخْتَلِطٌ وَمُلْتَبِسٌ، وَهُوَ حَالُ كُلِّ مَنِ ابْتَعَدَ عَنْ هَدْيِ القُرْآنِ وَكَذَّبَ بِالْحَقِّ وَابْتَغَى هَدْيًا غَيْرَ هَدِيِ اللهِ، فَهُوَ مُتَخَبِّطٌ فِي آرَائِهِ وَمَوَاقِفِهِ، مُتَحَيِّرٌ فِي حَيَاتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، ثُمَّ وَجَّهَ اللهُ تَعَالَى إلَى التَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ فِي صُنْعِ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ, إِنَّ فِي هَذَا لَبُرْهَانٌ عَظِيمٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ الْإِلَهُ الْحَقُّ )أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً مُّبَـٰرَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ * وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رّزْقًا لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ) أَيْ الْبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوٰنُ لُوطٍ * وَأَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) فَالْإعَادَةُ أَهْوَنُ مِن الْابْتِدَاءِ, كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) ثُمَّ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى مَا يَكُونُ عِنْدَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهُوَ الْخَلْقُ الثَّانِي، وَيُقَدِّمُ لِذَلِكَ بِالتَّذْكِيرٍ لِخَلْقِ اللهِ لِلْإنْسَانِ وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، بَلْ يَعْلَمُ وَسْوَسَةَ الصُّدُورِ وَمَكْنُونَ الْقُلُوبِ (وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) فَلَا مَفَرَّ مِن المَوْتِ، وَهُوَ مَعَ شِدَّتِهِ وَكُرْبَتِهِ فَإنَّ مَا بَعْدَهُ عَلَى الكُفْارِ أَشَدُّ وَأَفْظَعُ (وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) سَائِقٌ يَسُوقُهَا إلَى مَوْقِفِ القِيَامَةِ، وَشَهِيدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِأَعْمَالِهَا, فَيُقَالُ لَهُ: (لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ) وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ العَصِيبِ تُنْشَرُ الصُّحُفُ, وَيُبْصِرُ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ, وَعِنْدَهَا يَخْتَصِمُ أَهْلُ النَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ (وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّـٰعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ * قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ * قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإنَّهَا تُقَرَّبُ لِلْمُؤْمِنِينَ إِكْرَامًا لَهُمْ، فَأَرْخِ سَمْعَكَ يَا عَبْدَ اللهِ لِأَوْصَافِ أَهْلِهَا (وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ * وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ) أَيْ هَذَا مَا يُوعَدُ بِهِ كُلُّ تَائِبٍ مِن ذُنُوبِهِ، حَافِظٍ لِكُلِّ مَا قَرَّبَهُ إلَى رَبِّهِ، مِن الْفَرَائِضِ وَالطَّاعَاتِ، مَنْ خَافَ اللهَ فِي الدُّنْيَا, وَلَقِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَلْبٍ تَائِبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ, فَيُقَالُ لَهُم: (ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).

    *فَفِي عَطْفٍ بَيَانِيٍّ بَدِيعٍ, يَعُودُ اللهُ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ بِالتَّوْكِيدِ عَلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنَ القَضَايَا السَّابِقَةِ مِنَ الْبَعْثِ, وَالْخَلْقِ, وَمَصِيرِ الْخَلَائِقِ, وَهَلاكِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ, وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ, فَيَقُولُ: )وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ) فَلَا مَفَرَّ لَهُمْ مِن عَذَابِ اللهِ حِينَ نَزَلَ بِهِمْ (إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ * وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ) وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَذِكْرَ اللهِ تَعَالَى مِنْ وَسَائِلِ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ (وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ) أيْ مِن القُبُورِ )إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ).

  • فضل الكلمات الأربع وفضل شعبان

    فضل الكلمات الأربع وفضل شعبان

    *فَإنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ, وَأَيْسَرِ الْقُرُبَاتِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ: ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى, فَفِي المُسْنَدِ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ, وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ, وَخَيْرٍ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللهِ) وَالْمُؤْمِنُ الْمُوفّقُ مَنْ يَغْنَمُ حَيَاتَهُ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى جَنْبِهِ, أَلَا وَإِنَّ مِن أفضَلِ الذِّكْرِ على الإطلاقِ: الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (أحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأتَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ) وَقَدْ رَتَّبَ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ أُجُورًا كَثِيرَةً، وَأفْضَالًا عَمِيمَةً، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) أَيْ: أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا بِمَا فِيهَا مِنْ النَّعِيمِ الْعَظِيمِ. وَجَاءَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مُكَفِّرَاتٍ لِلذُّنُوبِ؛ فَفِي التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِشَجَرَةٍ يَابِسَةِ الْوَرَقِ, فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ فَتَنَاثَرَ الْوَرَقُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَهُمْ يَرَوْنَ الْوَرَقَ الْيَابِسَ يَتَسَاقَطُ مِنَ الشَّجَرةِ: (إِنَّ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ لَتُسَاقِطُ مِنْ ذُنُوبِ الْعَبْدِ كَمَا تَسَاقَطَ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) وَمِنْ فَضَائِلِهِنَّ أَنَّهُ لَا أَحَدَ أفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ مُسْلِمٍ يُعَمَّرُ مُكْثِرًا مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْكَلِماتِ، فَفِي المُسْنَدِ: قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (لَيْسَ أحَدٌ أفْضَلُ عِندَ اللهِ مِن مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ يَكثُرُ تَكْبِيرُهُ، وَتَسْبِيحُهُ، وَتَحْمِيدُهُ، وَتَهْلِيلُهُ) وَهُنَّ أيْضًا يَقُمْنَ مَقَامَ الصَّدَقَةِ, وَالْجِهَادِ, وَغَيْرِهَا مِنَ الطاعاتِ، فَفَي الَأَدَبِ الْمُفْرَدِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ, كَمَا قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ, فَمَنْ ضَنَّ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ, أَيْ (بَخِلَ بِهِ) وَخَافَ الْعَدُوَّ أَنْ يُجَاهِدَهُ، وَهَابَ اللَّيْلَ أَنْ يُكَابِدَهُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَرَّ بِي ذَاتَ يَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ, وَضَعُفْتُ, أَوْ كَمَا قَالَتْ, فَمُرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ وَأَنَا جَالِسَةٌ, قَالَ: (سَبِّحِي اللَّهَ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ, فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ رَقَبَةٍ تُعْتِقِينَهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ, وَاحْمَدِي اللَّهَ مِائَةَ تَحْمِيدَةٍ, فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ فَرَسٍ مُسْرَجَةٍ, مُلْجَمَةٍ, تَحْمِلِينَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَكَبِّرِي اللَّهَ مِائَةَ تَكْبِيرَةٍ, فَإِنَّهَا تَعْدِلُ لَكِ مِائَةَ بَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ, وَهَلِّلِي اللَّهَ مِائَةَ تَهْلِيلَةٍ, قَالَ ابْنُ خَلَفٍ أَحْسِبُهُ قَالَ: تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ, وَلَا يُرْفَعُ يَوْمَئِذٍ لِأَحَدٍ عَمَلٌ أَفْضَلُ مِنْهَا, إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتِ بِهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ. وَلِهَذَا يَتأَكَّدُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ, أنْ يَسْتَحْضِرَ مَعَانِيَهُنَّ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْأَثَرِ، وَأَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ، فَيَجْمَعُ في ذِكْرِه لِرَبِّه بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ, بَيْنَ الذَّكْرِ بِاللِّسَانِ وَالذِّكْرِ بِالْقَلْبِ. وَمَعْنَى سُبْحَانَ اللهِ: أَيْ تَنْزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنِ النَّقَائِصِ, مَعَ وَصْفِهِ سُبْحانَهُ بِصِفَاتِ الكَمَالِ الْمُنَافِي لِلنَّقْصِ. وَمَعْنَى الْحَمْدُ لِلهِ: أَيْ إِثْبَاتُ جَمِيعِ الْكَمَالَاتِ لِلهِ تَعَالَى, فَهِيَ كَلِمَةُ ثَنَاءٍ عَلَى اللهِ تَعَالَى, وَتَمْجِيدٍ لَهُ بِأسْمَائِهِ الحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ العُلْيَا، وَنِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى. وَمَعْنَى اللهُ أكْبَرُ: أَيْ إِثْبَاتُ عَظَمَةِ اللهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا أَحَدَ وَلَا شَيءَ أكْبَرُ مِنْهُ. وَأمَّا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ: فَهِيَ أَعْظَمُ الكَلِمَاتِ، وَفِيهَا تَوْحِيدُ اللهِ، وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشَّرْكِ, وَأَهْلِهِ، وَالْخُلُوصُ مِنْهُ.

    *فَقَدْ أظَلَّكُمْ مَعَاشِرَ الإخْوَةِ الكِرَامِ؛ شَهْرٌ مِنْ أَشْرَفِ شُهُورِ الْعَامِ، شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِيهِ: الصَّيَامَ، وَرَغَّبَكُمْ فِيهِ إِلَى إِصْلَاحِ مَا بَيْنَكُمْ, وَبَيْنَ إِخْوَانِكُمْ المُسْلِمِينَ مِنَ الشَّحْنَاءِ, وَالْخِصَامِ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: (مَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ, إِلَّا رَمَضَانُ، وَمَا رَأيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيامًا فِي شَعْبَانَ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاودَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ: شَعْبَانُ، ثُمَّ يَصِلَهُ بِرَمَضَانَ). مَعاشِرَ الْإِخْوَةِ: شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرٌ كَثِيرُ الْخَيْرَاتِ وَالْعَطَاءِ، يَطَّلِعُ فِيهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَتْ بَينَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُسْلُمِ شَحْنَاءٌ, فَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ اللهَ لَيَطَّلِعُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِقِيامٍ مُحَدَّدٍ, وَلَا نَهَارَهَا بِصِيَامٍ مَخْصُوصٍ؛ وَمَا يَحْدُثُ مِن بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ مِن اجْتِمَاعِهِم فِي البُيُوتِ أَوْ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَجْلِ إِحْيَاءِ لَيْلَةِ النَّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, فَإنَّ هَذَا مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ, وَلَا الْقُرُونُ الْمُفَضَّلَةُ مِن بَعْدِهِ.

  • حديث وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ

    حديث وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ

    *فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ: عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ, أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ, وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ, فَكَادَ أَنْ يُبْطِئَ, فَقَالَ لَهُ: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ, وَأَنْ تَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ, فَإِمَّا أَنْ تُبَلِّغَهُنَّ, وَإِمَّا أُبَلِّغَهُنَّ, فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي, إِنِّي أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي أَنْ أُعَذَّبَ, أَوْ يُخْسَفَ بِي, قَالَ: فَجَمَعَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ, حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ, وَقُعَدَ عَلَى الشُّرَفِ, فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ, أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ, وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ, أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ: رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ, فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي عَمَلَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ, فَأَيُّكُمْ يَسُرُّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ, وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ, فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, وَأَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ, فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ, فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا, وَأَمَرَكُمْ بِالصِّيَامِ, فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ: رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِنْ مِسْكٍ, فِي عِصَابَةٍ – أَيْ جَمَاعَةٍ -, كُلُّهُمْ يَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ, وَإِنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ, وَأَمَرَكُمْ بِالصَّدَقَةِ, فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ: رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَشَدُّوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ, وَقَرَّبُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ, فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنْكُمْ, فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ, حَتَّى فَكَّ نَفْسَهُ, وَأَمَرَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا, وَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ: رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سِرَاعًا فِي أَثَرِهِ, فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا فَتَحَصَّنَ فِيهِ, وَإِنَّ الْعَبْدَ أَحْصَنَ مَا يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ؛ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالْجَمَاعَةِ, وَبِالسَّمْعِ, وَالطَّاعَةِ, وَالْهِجْرَةِ, وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ, فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ, إِلَى أَنْ يَرْجِعَ, وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَإِنْ صَامَ, وَصَلَّى, قَالَ: وَإِنْ صَامَ, وَصَلَّى, وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ, فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَا سَمَّاهُمْ: الْمُسْلِمِينَ, الْمُؤْمِنِينَ, عِبَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).
    وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: قِيدَ شِبْرٍ: أَيْ قَدْرَ شِبْرٍ. وَرِبْقَةُ الْإِسْلَامِ: هِيَ مَا يَشُدُّ بِهِ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ: أَيْ حُدُودُهُ, وَأَحْكَامُهُ, وَأَوَامِرُهُ, وَنَوَاهِيهِ. وَالدَّعَاءُ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ: قَالَ فِيهَا ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: كَالدُّعَاءِ إِلَى الْقَبَائِلِ, وَالْعَصَبِيَّةِ، وَمِثْلُهِ التَّعَصُّبُ إِلَى الْمَذَاهِبِ, وَالطَّوَائِفِ, وَالْمَشَائِخِ، وَتَفْضِيلُ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ، يَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، وَيُوَالِي عَلَيْهِ, وَيُعَادِي عَلَيْهِ؛ فَكُلُّ هَذَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. وَجُثَا جَهَنَّمَ: أَيْ الْحِجَارَةُ الْمَجْمُوعَةُ فِي جَهَنَّمَ.
    قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ الشَّيْخِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ آلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: وَهَذِهِ الْخَمْسُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ – أَيْ الَّتِي أَوْصَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ – أَلْحَقَهَا بَعْضُهُمْ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، الَّتِي لَا يَسْتَقِيمُ بِنَاؤُهُ إِلَّا بِهَا، وَلَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا عَلَيْهَا، خِلَافًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ, وَالسَّمْعِ, وَالطَّاعَةِ.

    *فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، أَلا إِنَّ الْبَعِيدَ مَا لَيْسَ بِآتٍ، لا يَعْجَلُ اللَّهُ لِعَجَلَةِ أَحَدٍ, وَلا يَخِفُّ لأَمْرِ النَّاسِ، مَا شَاءَ اللَّهُ, لا مَا شَاءَ النَّاسُ، يُرِيدُ اللَّهُ أَمْرًا, وَيُرِيدُ النَّاسُ أَمْرًا, مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ, وَلَوْ كَرِهَ النَّاسُ، لا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدَ اللَّهُ, وَلا مُبَعِّدَ لِمَا قَرَّبَ اللَّهُ، وَلا يَكُونُ شَيْءٌ, إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ, هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ, مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ.

  • حديث أولسنا إخوانك؟

    حديث أولسنا إخوانك؟

    *فَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ, وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ, وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي, وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ) فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ, بَيْنَ ظَهْرَىْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ, أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ, وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ, أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلاَ هَلُمَّ أَيْ: تَعَالَوْا, فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا أَيْ: بُعْدًا بُعْدًا) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
    وَمِنَ الْفَوَائِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ: امْتِدَادُ رَحْمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِلَى أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ, بِاعْتِبَارِ الْأُخُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ, فَسَنَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ زِيَارَةَ الْمَقَابِرِ, وَإِلْقَاءَ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ, بِرًّا بِهِمْ وَرَحْمَةً وَصِلَةً.
    وَمِنْهَا: جَوَازُ تَمَنِّي الْخَيْرِ، وَلِقَاءِ الْفُضَلَاءِ, وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا).
    وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: (إِخْوَانِي الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي, وَلَمْ يَرَوْنِي، وَيُصَدِّقُونَ بِرِسَالَتِي وَلَمْ يَلْقَوْنِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ).
    وَمِنْهَا: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي) هُوَ تَفْضِيلٌ لِلصَّحَابَةِ بِمَا لَهُمْ مِن خُصُوصِيَّةِ الصُّحْبَةِ, التِي هِي أَكْمَلُ مِن مُجَرَّدِ الْأُخُوَّةِ, كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي, فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا, مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ) وَالْمُرَادُ: أَنَّ الْقَلِيلَ الذِي أَنْفَقَهُ أَحَدُ الصَّحَابَةِ, أَكْثَرُ ثَوَابًا مِن الْكَثِيرِ الذِي يُنْفِقَهُ غَيْرُهُمْ.
    وَمِنْهَا: الْبِشَارَةُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَنَّ وَارِدَهُمْ إِلَى الْمَاءِ أَيْ سَابِقُهُمْ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ, وَالْحَوْضُ, هُوَ: الْكَوْثَرُ. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ, قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (أَنَا فَرَطُكُمْ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُونِي فَأَنَا عَلَى الْحَوْضِ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ، وَسَيَأْتِي رِجَالٌ وَنِسَاءٌ بِآنِيَةٍ وَقِرَبٍ ثُمَّ لاَ يَذُوقُونَ مِنْهُ شَيْئًا) قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَيْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ، يَجِيئُونَ بِأَوَانِي لِيَسْتَقُوا بِهَا مِنَ الْحَوْضِ، فَلاَ يُسْقَوْنَ مِنْهُ؛ لأَنَّ الْحَوْضَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصٌّ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ يَقْدِرَ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ عَلَى حَمْلِ الأَوَانِي وَالْقِرَبِ فِي الْقِيَامَةِ؛ لأَنَّهُمْ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
    وَمِنْهَا: كَمَا قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِى الدِّينِ مَالَا يَرْضَاهُ اللهُ, وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ الَلهُ, فَهُوَ مِن الْمَطْرُودِينَ عَنِ الْحَوْضِ, كَالْخَوَارِجِ, وَالرَّوَافِضِ, وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ الظَّلَمَةُ الْمُتْرَفُونَ فِى الْجَوْرِ, وَطَمْسِ الْحَقِّ, وَقَتْلِ أَهْلِهِ, وَإِذْلَالِهِمْ, وَالْمُعْلِنُونَ بِالْكَبَائِرِ, الْمُسْتَخِفُّونَ بِالْمَعَاصِي, وَجَمِيعُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ, فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُخَافُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ عُنُوا بِهَذَا الْخَبَرِ.

    *فَاتَّقُوا اللهَ وَاحْذَرُوا الْبِدَعَ وَالْمَعَاصِي صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا, وَالْزَمُوا طَرِيقَ النَّجَاةِ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وَتَنَصَّبُوا جَادَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ, وَاسْتَمْسِكُوا بِغَرْزِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِينَ تُفْلِحُوا….

  • حديث أتاني الليلة آتيان

    حديث أتاني الليلة آتيان

    *فَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنَّ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ, قَالَ: وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: (إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ, وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي, وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ, وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا, وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ, وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ, وَإِذَا هُوَ يَهْوِي عَلَيْهِ بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ, فَيَثْلَغُ بِهَا رَأْسَهُ أي يَشْدَخُ, وَالشَّدْخُ: كَسْرُ الشِّيءِ الْأَجْوَفِ, فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ هَاهُنَا أَيْ يَتَدَحْرَجُ, فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ, فَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ, ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ, فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَل الْمَرَّةَ الْأُولَى, قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ, مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ, فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا, فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ, وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ, وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ أَيْ يَقْطَعُ, وَمَنْخِرَاهُ إِلَى قَفَاهُ, وَعَيْنَاهُ إِلَى قَفَاهُ, قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ, فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ, فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ الْأَوَّلُ كَمَا كَانَ, ثُمَّ يَعُودُ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِ الْمَرَّةَ الْأُولَى, قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ, قَالَ: فَانْطَلَقْنَا, فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ, وَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ, قَالَ: فَاطَّلَعْتُ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ, وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ, فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا أَيْ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ وَاخْتَلَطَتْ, قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ, مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ, قَالَ: فَانْطَلَقْنَا, فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ, وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ يَسْبَحُ, وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً, وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ الْحِجَارَةَ, فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ, فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا, قَالَ: فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ, ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ, كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ, وَأَلْقَمَهُ حَجَرًا, قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ, مَا هَذَا؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ, فَانْطَلَقْنَا, فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ أَيْ الْمَنْظَرِ, كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً, فَإِذَا هُوَ عِنْدَ نَارٍ لَهُ يَحُشُّهَا, وَيَسْعَى حَوْلَهَا, قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ, مَا هَذَا؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ, قَالَ: فَانْطَلَقْنَا, فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْشِبَةٍ, فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ أَيْ زَهْرِ الرَّبِيعِ, قَالَ: وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ قَائِمٌ طَوِيلٌ, لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ, وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ وَأَحْسَنِهِ, قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ, مَا هَذَا؟ وَمَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ, قَالَ: فَانْطَلَقْنَا, فَانْتَهَيْنَا إِلَى دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ أَيْ شَّجَرَةٍ كَبيرةٍ, لَمْ أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ, قَالَ: فَقَالَا لِي: ارْقَ فِيهَا, فَارْتَقَيْنَا فِيهَا, فَانْتَهَيْتُ إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ, وَلَبِنٍ فِضَّةٍ, فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا, فَفُتِحَ لَنَا, فَدَخَلْنَا, فَلَقِينَا فِيهَا رِجَالًا, شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ, وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ, قَالَ: فَقَالَا لَهُمْ: اذْهَبُوا, فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ, فَإِذَا نَهَرٌ صَغِيرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّمَا هُوَ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ أَيْ اللَّبَنُ الْخَالِصُ مِنَ الْمَاءِ, قَالَ: فَذَهَبُوا, فَوَقَعُوا فِيهِ, ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا, وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ, وَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ, قَالَ: فَقَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ, وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ, قَالَ: فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا أَيْ نَظَرَ إِلَى فَوْقٍ صَاعِدًا فِي ارْتِفَاعٍ كَثِيرٍ, فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ أَيْ السَّحَابَةِ, قَالَا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ, قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا, ذَرَانِي فَأَدْخُلُهُ, قَالَ: قَالَا لِي: أَمَّا الْآنَ فَلَا, وَأَنْتَ دَاخِلُهُ, قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا, فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ, أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ, فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ, وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ, وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ, وَعَيْنَاهُ إِلَى قَفَاهُ, وَمَنْخِرَاهُ إِلَى قَفَاهُ, فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذِبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ, وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي بِنَاءٍ مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ, فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي, وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ, وَيُلْقَمُ الْحِجَارَةَ, فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا, وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا, فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ, وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي رَأَيْتَ فِي الرَّوْضَةِ, فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام, وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ, فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ, قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ, وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانَ شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا, وَشَطْرٌ قَبِيحًا, فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا, وَآخَرَ سَيِّئًا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

    *فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَجْمُوعُونَ بِصَعِيدٍ وَاحِدٍ يَنْفُذُكُمُ الْبَصَرُ وَيُسْمِعُكُمُ الدَّاعِي، أَلا وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ, وَالسَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ.