الرئيسية مناسبات الشاعر

مناسبات الشاعر

  • مناسبة عشاء نافع بن محيا آل عجي على شرف بعض رجالات عنزه

    مناسبة عشاء نافع بن محيا آل عجي على شرف بعض رجالات عنزه

    ملتقى آل عجي – اللجنة الإعلامية :

    أقام

    نافع بن محيا آل عجي

    مناسبة عشاء مساء الجمعة 27 – 12 – 1444 هـ
    في منزله بالحفير
    على شرف بعض رجالات عنزه
    يتقدمهم

    الشيخ سعود بن طلب العنزي
    الشيخ فايز بن معزي العنزي
    الشاعر سالم بن محمد العنزي
    الشاعر غنــام عوض الحبلاني
    يوسف الخميش
    كساب صالح العنزي
    فجر الادهم العنزي
    عبدالكريم دغيم العنزي
    خالد بن سعود العنزي
    خالد بن فايز العنزي
    صالح بن كساب العنزي
    سعود بن سالم الشميلي

    وقد أقيمت عدد من الشبات قبل وبعد مناسبة العشاء
    قبل العشاء

    – عبيد ضيف الله الدبلان
    – سليمان عبدالله العامر
    – مرضي متروك السرعوفي

    بعد العشاء

    – محمد حمدان المخلف وإخوانه

    وإليكم الصور:

    شبة سليمان عبدالله العامر
    شبة مرضي متروك السرعوفي
    شبة محمد حمدان المخلف واخوانه
    شبة عبيد ضيف الله الدبلان
    صور مناسبة عشاء نافع محيا آل عجي
  • الشاعر نافع بن محيا آل عجي يجري عملية جراحية تكللت بالنجاح

    الشاعر نافع بن محيا آل عجي يجري عملية جراحية تكللت بالنجاح

    أجرى

    الشاعر نافع بن محيا آل عجي

    عملية جراحيه في أوتار ألكتف الأيسر، تكللت بالنجاح ولله الحمد بالنجاح، وكان ذلك في مستشفى الأمير متعب بن عبدالعزيز بالجوف على يد الدكتور المميز

    صقر الرويلي

    يوم الأربعاء الماضي الموافق 26-7-1445هـ .

    الحمد لله على السلامة أبو فيصل وطهور إن شاء الله تعالى

  • الجمعية السعودية للمحافظة على التراث تكّرم الشاعر نافع محيا آل عجي

    الجمعية السعودية للمحافظة على التراث تكّرم الشاعر نافع محيا آل عجي

    حصل الشاعر

    نافع محيا آل عجي

    على شهادة شكر وتقدير من الجمعية السعودية للمحافظة على التراث، وذلك نظير مشاركته ومساهمته الكريمة ضمن ورشة العمل التعريفية لترشيح ملف الشعر النبطي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)ز

    جاء ذلك خلال ورشة العمل التي أقيمت بحضور كوكبة من الشعراء والشاعرات بمنطقة حائل ، بفندق الميلينيوم بجامعة حائل، بتاريخ15 – 6 – 1445 هـ الموافق 7 – 1 – 2024 م .

    وثمنت الجمعية جهود الشاعر “نافع آل عجي” القيمة في حفظ وتوثيق التراث والسعي لإحيائه ونقله للأجيال القادمة، متمنين له مزيدا من التقدم والنجاح والاستمرار ف هذا العطاء.

  • من آثار ابن عمر

    من آثار ابن عمر

    *فَكَتبَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِالْعِلمِ كُلِّهِ, فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ الْعِلمَ كَثِيْرٌ، وَلَكِنْ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلقَى اللهَ خَفِيفَ الظَّهْرِ مِنْ دِمَاءِ النَّاسِ، خَمِيْصَ الْبَطنِ مِنْ أَمْوَالِهِم، كَافَّ اللِّسَانِ عَنْ أَعْرَاضِهِم، لَازمًا لِأَمْرِ جَمَاعَتِهِم، فَافعَلْ.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: فِي هَذَا الْأَثَرِ أَرْبَعَةُ مَسَائِلَ عِظَامٍ, أَرَادَ هَذَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا؛ لِعَظِيمِ خَطَرِ ضِدِّهَا, بَعْدَ قِيَامِ الْإِنْسَانِ بِأُصُولِ الْإِسْلَامِ, وَأَرْكَانِهِ:
    الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْأَثَرِ: أنْ يَمُوتَ الْإِنْسَانُ خَفِيفَ الظَّهْرِ مِنْ دَمَاءِ النَّاسِ, وَالْمُرَادُ بِهِ هَا هُنَا: الْقَتْلُ عَمْدًا, بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ, سَوَاءً كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا, أَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومَ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ, فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ, مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) أَيْ لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ مُنْشَرَحَ الصَّدْرِ, مُطْمَئِنَ النَّفْسِ, فِي سَعَةِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, طَالَمَا أَنَّهُ لَمْ يقْتُلْ نَفْسًا, بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ.
    وَاعْلَمُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ عَمْدًا, بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ, مُسْلِمًا, فَيَتَعَلَّقُ فِي رَقَبَةِ الْقَاتِلِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ:
    الحقُ الأولُ: حَقُّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَهَذَا الْحَقُّ لَا يَسْقُطُ أَبَدًا عَنِ الْقَاتِلِ, إِلَّا بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ, وَهِيَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا شُرُوطُ التَّوْبَةِ, وَشُرُوطُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ ثَلَاثَةٌ: أوَّلُهَا: النَّدَمُ عَلَى مَا عَمِلَ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ.
    وَالثَّانِي: تَرْكُ الزَّلَّاتِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ, وَالسَّاعَاتِ.
    وَالثَّالِثُ: الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِ مَا اقْتَرَفَ مِنَ الْمَعَاصِي, وَالْخِطِيئَاتِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ قَبْلَ غَرْغَرَةِ الرُّوحِ, وَقَبْلَ خُرُوجِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْربِهَا.
    وَالْحَقُ الثَّانِي: حَقُّ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ, فَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إِمَّا الْعَفْوُ عَنِ الْقَاتِلِ مَجَّانًا, أَوْ يَأْخُذُونَ الدِّيَةَ, أَوْ الْقِصَاصُ.
    وَالْحَقُّ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَشَدُّ هَذِهِ الْحُقُوقِ؛ وَهُوَ حَقُّ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا, وَعُدْوَانًا, فَهَذَا الْحَقُّ لَا يَسْقُطُ أَبَدًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ, سَوَاءً عُفِيَ عَنِ الْقَاتِلِ, أَوْ رَضِيَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ بِالدِّيَةِ, أَوْ قُتِلَ الْقَاتِلُ قِصَاصًا, فَلَا يَسْقُطُ هَذَا الْحَقُّ حَتَّى يَلْتَقِي الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ عِنْدَ اللهِ, فَيَقْتَصُّ اللهُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالمِ, وَفِي الْبُخَارِيِّ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ, مِنْ عِرْضِهِ, أَوْ شَيْءٍ, فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ, قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ, وَلَا دِرْهَمٌ, إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ, أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ, أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) أَيْ حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ, بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ.
    وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْأَثَرِ: أَنْ يَبْتَعِدَ الْإِنْسَانُ عَنِ الطُّرُقِ الخَبِيثَةِ في تَحْصِيلِ الْمَالِ الْمُحَرَّمِ؛ كَالرِّبَا, وَالْبُيُوعِ الْمُحَرَّمَةِ, وَمُخَادَعَةِ النَّاسِ, وَالتَّحَايُلِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَخْذِ أمْوَالِهِم, بِإظْهَارِ الْحَاجَةِ تَارَةً, أَوْ بِأيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِدَاعِ تَارَةً أُخْرَى, وَكَالسَّرِقَةِ, وَالْغِشِّ, وَالْغَصْبِ, وَنَحْوِهَا (وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ, فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ) وَالسُّحْتُ هُوَ: كُلُّ مَالٍ حَرَامٍ.
    وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْأَثَرِ: كَفُّ اللِّسَانِ عَن أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ, وَذَلِكَ بِالْبُعْدِ عَنِ الْغِيبَةِ, وَالْغِيْبَةُ هِيَ: ذِكْرُكُ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ, وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعَيْبُ مَوْجُودًا فِيهِ حَقِيقَةً, وَقَدْ شَبَّهَ اللهُ الْمُغْتَابَ, بِآكِلِ لِحْمِ أَخِيهِ مَيْتًا, وَأَعْظُمُ مِنَ الْغِيبَةِ وَأَقْبَحُ رَمْيُ الْمُسْلِمِ كَذِبًا, وَزُورًا, بِمَا هُو لَيْسَ فِيهِ, وَهُوَ البُهْتَانُ عَلِيهِ, وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ الْبُهْتَانِ قَذْفُ الْمُسْلِمِ بِالزِّنَا, أَوْ بِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنْ فَضَائِعِ الْأُمُورِ, الَّتِيْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا, وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ فِي الْآخِرَةِ.

    *فَالْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْأَثَرِ: أَنْ يَلْزَمَ الْمُسْلِمُ الْحَرِيصُ عَلَى نَجَاةِ نَفْسِهِ, جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ, وَإِمَامَهُمْ, فَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَمرِ الْجَمَاعَةِ, وَلَوْ جُلِدَ ظَهْرُهُ, وَأُخِذَ مَالُهُ, لِمَا وَرَدَ مِنَ التَّشْدِيدِ الْعَظِيمِ, فِي وُجُوبِ لُزُومِ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ, فَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ, فَلْيَصْبِرْ, فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ, إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ, وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ, وَأُخِذَ مَالُكَ, فَاسْمَعْ وَأَطِعْ).

  • الساعي وراء الحقيقة

    الساعي وراء الحقيقة

    *فَإِذَا أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا, هَيَّأَ لَهُ الْأَسْبَابَ, رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا, أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ, قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًا مِنْ أَهْلِ أَصْفَهَانَ, وَكَانَ أَبِي دَهْقَانُ قَرْيَتِهِ أَيْ أَمِيرُهُمْ، وَكُنْتُ أَحَبُّ خَلْقِ اللهِ إِلِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِي كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتّى كُنْتُ قَطِنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا, لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُوا سَاعَةً, وَكَانَتْ لِأَبِي مَزَارِعُ عَظِيمَةٍ، فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمِ عَنْ مَزَارِعِي, فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ مَزَارِعَهُ, فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارى, فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ؛ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَّمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ, وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ, دَخَلْتُ عَلَيْهِم أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا رَأيْتَهُمْ أَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ, وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الذي نَحْنُ عَلَيْهِ، وَسَألْتُ النَّصَارَى عَنْ أَصْلِ دِينِهِمْ، فَقَالُوا: فِي الشَّامِ، فَوَ اللهِ مَا تَرْكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ, وَتَرَكْتُ مَزَارِعَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَأَرْسَلَ أَبِي فِي أَثَرَيْ مَنْ يَبْحَثُ عَنِّي، وَقُلْتُ لِأَبِي حِينَ عُدْتُ إِلَيْهِ مَا رَأَيْتُ, وَأُعْجِبتُ بِهِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ, لَيسَ فِي ذَلِكَ الدُّينِ خَيْرٌ، دِينُكُ, ودِينُ آبَائِكِ خَيْرٌ مِنْهُ، فَقُلْتُ: كَلَّا وَاللهِ, إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، فَخَافَنِي أَبِي, فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا, ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّصَارَى أُعْلِمُهُمْ أَنَّي قَدْ دَخَلْتُ فِي دِينِهِمْ، وَأَنَّ يَبْحَثُوا لِي عَنْ رَكْبٍ إِلَى الشَّامِ لِأَرْحَلَ مَعَهُمْ، وَقَدْ فَعَلُوا, فَحَطَّمْتُ الْحَدِيدَ، وَخَرَجْتُ، وَانْطَلَقْتُ إِلَى الشَّامِ, فَسَأَلْتُ عَنْ عَالِمِهِمْ, فَقَالُوا لِي: الْأٌسْقُفُ, فَأَتَيْتُهُ, وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَأَقَمْتُ مَعَهُ أَخْدِمُهُ, وَأُصَلِّي, وَأَتَعَلَّمُ، وَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ فِي دِينِهِ, يَجْمَعُ الصَّدَقَاتِ مِنَ النَّاسِ, ثُمّ يَكْتَنِزُهَا لِنَفْسِهِ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلالٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَأبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا؛ لِمَا رَأيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمّ مَاتَ فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ, يَأمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ, وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا, فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا, اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ, وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا، فَأَرَيْتَهُمْ مَوْضِعَ كَنْزِهِ، فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَفِضَّةً، فَقَالُوا: وَاللهِ, لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا، وَصَلَبُوهُ, ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالحِجَارَةِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِرَجُلٍ آخَرَ, فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ, فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى دِينِهِمْ خَيْرًا مِنْهُ، وَلَا أَعْظَمَ رَغْبَةً فِي الْآخِرَةِ, وَزُهْدًا فِي الدُّنْيَا, وَدَأَبًا عَلَى الْعِبَادَةِ, وَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا عَظِيمًا, فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قُلْتُ لَهُ: بِمَ تَأْمُرُنِي, وَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ إِلَّا رُجُلًا بِالْمَوْصِلِ، فَلَمَّا مَاتَ أَتَيْتُ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ فَأْخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ أُقِيمَ, ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ, فَسَألْتُهُ فَدَلَّنِي عَلَى عَابِدٍ فِي نُصَيْبِينَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ, وَأَخْبَرْتُهُ, وَأَقَمْتُ مَعَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ أُقِيمَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ, أَمَرَنِي أَنْ أَلْحَقَ بِرَجُلٍ فِي عَمُّورِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَرَحَلْتُ إِلَيْهِ, وَأَقَمْتُ مَعَهُ, وَاكْتَسَبْتُ لِمَعَاشِي, حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٍ, وَغُنَيْمَاتٍ، ثُمّ حَضَرَتُهُ الْوَفَاةُ, فقُلْتُ لَهُ: إِلَى مَنْ تُوصِي بي؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا أَعْرِفُ أَحَدًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ, أُوْصِيكَ بِهِ، لَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا, يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ بَيْنَ حَرَّتِينِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَخْلُصَ إِلَيْهِ فَافْعَلْ, وَإِنَّ لَهُ آيَاتٌ لَا تَخْفَى، فَهُوَ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَإِنَّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ, إِذَا رَأيْتَهُ عَرَفْتَهُ, وَمَرَّ بِي رَكْبٌ ذَاتَ يَوْمٍ, فَسَأَلْتَهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ, فَأَعْلَمُونِي أَنَّهُمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ, فَقُلْتُ لَهُمْ: أُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ, وَغَنَمِي, عَلَى أَنْ تَحْمِلُونِي مَعَكُمْ إِلَى أَرْضِكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، وَاصْطَحَبُونِي مَعَهُمْ, حَتَّى قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى، فَظَلَمُونِي, وَبَاعُونِي عَبْدًا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَرَأَيْتُ نَخْلًا كَثِيرًا فَطَمِعْتُ أَنْ تَكُونَ هِيَ مُهَاجَرُ النَّبِيِّ الْمُنْتَظَرِ، وَأَقَمْتُ عِنْدَ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَانِي, حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ يَوْمًا رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ بَنِي قُرَيظَةَ، فَاشْتَرَانِي مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِي, حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَوَاللهِ, مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأيْتُهَا حَتَّى أَيْقَنْتُ أَنَّهَا الْبَلَدُ الَّذِي وُصِفَ لِي, فَأَقَمْتُ مَعَ الْيَهُودِيِّ, أَعْمَلُ لَهُ فِي نَخْلِهِ حَتَّى بُعِثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ, وَإِنِّي لَفِي رَأْسِ نَخْلَةٍ يَوْمًا, وَصَاحِبِي جَالِسٌ تَحْتَهَا, إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِيَّ عَمِّهِ، فَقَالَ يُخَاطِبُهُ: يَا فُلَانُ قَاتَلَ اللهُ بَنِي قَيْلَةَ – يَعْنِيْ الْأَنْصَارَ- وَاللهِ إِنَّهُمْ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ بِقِبَاءَ, قَادِمٌ مِنْ مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ, فَوَاللهِ, مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَالَهَا حَتَّى أَخَذَتْنِي العُرَوَاءُ- يَعْنِي الرِّعْدَةَ – فَرَجَفَتْ النَّخْلَةُ حَتّى كِدْتُ أَسْقُطُ فَوْقَ صَاحِبِي, ثُمَّ نَزَلْتُ سَرِيعًا, أَقُولُ: مَاذَا تَقُولُ؟ مَا الْخَبَرُ؟ فَرَفَعَ الْيَهُودِيُّ يَدَهُ, وَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَالَكَ وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ، فَأَقْبَلْتُ عَلَى عَمَلِي.

    *فقالَ سلمانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَلَمَّا أَمْسَيْتُ جَمَعْتُ مَا كَانَ عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجْتُ, حَتّى جِئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِبَاءَ, فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ, وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكُمْ أَهْلُ حَاجَةٍ, وَغُرْبَةٍ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي طَعَامٌ نَذَرْتُهُ لِلصَّدَقَةِ، فَلَمّا ذُكِرَ لِي مَكَانُكُمْ, رَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ, ثُمَّ وَضَعْتْهُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا بِاسْمِ اللهِ, وَأَمْسَكَ هُوَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَقُلْتُ لِنَفْسِي: هَذِهِ وَاللهِ وَاحِدَةٌ، إِنّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، ثُمَّ رَجَعْتُ, وَعُدْتُ إِلَيْهِ فِي الْغَدَاةِ، أَحْمِلُ طَعَامًا، وَقُلْتُ: إِنِّي رَأْيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيءٌ أُحِبُّ أَنْ أُكْرِمَكَ بِهِ هَدِيَّةً، وَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدِيهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا بِاسْمِ اللهِ، وَأَكَلَ مَعَهَمْ، قُلْتُ لِنَفْسِي: هَذِهِ وَاللهِ الثَّانِيَةُ: إِنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، ثُمَّ رَجَعْتُ, فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ فِي الْبَقِيعِ قَدْ تَبِعَ جَنَازَةً, مَعَ أَصْحَابِهِ, وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ مُتَّزِرًا بِوَاحِدَةٍ, فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ, ثُمَّ عَدَلْتُ لِأَنْظُرَ إِلَى ظَهْرِهِ، فَعَرَفَ أَنِّي أُرِيدُ ذَلِكَ، فَأَلْقَى بُرْدَتَهُ عَنْ كَاهلِهِ, فَإِذَا الْعَلَامَةُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، خَاتُمُ النُّبُوَّةِ كَمَا وَصَفَهُ لِي صَاحِبِي، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ, وَأَبْكِي، ثُمّ دَعَانِي عَلْيِهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ, فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِي، قَالَ: فَأَعَجَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ. فَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللهُ هَذَا الْجُهْدَ, الْعَظِيمَ, الْمَبْذُولَ, بَحْثًا عَنِ الْحَقِيقَةِ, وَاحْمَدُوا اللهَ أَنْ هَدَاكُمْ إِلَيْهَا بِلَا مَشَقَّةٍ, وَلَا عَنَاءٍ.

  • مفرق الجماعات

    مفرق الجماعات

    *فَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ, عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ, فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ, فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ, وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا, ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ, نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ, كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ, وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ, حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ, ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ, فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ, قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ, فَيَأْخُذُهَا, فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا, فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ, وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ, قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا, حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ, فَيُفْتَحُ لَهُمْ, فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا, حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ, فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ, وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ, فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ, وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ, وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى, قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ, فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ, فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ, فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ, فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُك؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ, فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي, فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ, وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ, وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ, قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا, وَطِيبِهَا, وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ, قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ, حَسَنُ الثِّيَابِ, طَيِّبُ الرِّيحِ, فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ, هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ, فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ, فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ, فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ, حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي, قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا, وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ, نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ, مَعَهُمْ الْمُسُوحُ, فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ, ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ, فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ, اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ, قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ, فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ, فَيَأْخُذُهَا, فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ, حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ, وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ, فَيَصْعَدُونَ بِهَا, فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ, بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا, حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ, فَلَا يُفْتَحُ لَهُ, ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى, فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا, ثُمَّ قَرَأَ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ, وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ, فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي, فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي, فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي, فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ, فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ, وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ, فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا, وَسَمُومِهَا, وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ, وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ, قَبِيحُ الثِّيَابِ, مُنْتِنُ الرِّيحِ, فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ, هَذَا يَوْمُك الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ, فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ, فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ, فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ, فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ).

    *فَاتّقُوا اللهَ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَطِيعُوهُ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا، وَاسْتَعِدُّوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى اللهِ (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) وَادّخِرُوا رَاحَتَكُمْ لِقُبُورِكُمْ، وَقَلِّلُوا مِنْ لَهْوِكُمْ, وَنَوْمِكُمْ، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ نَوْمَةٌ صُبْحُهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
    حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَـــــــــارِ مَاهَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَـــــــــرَارِ
    بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيــــهَا مُخْبِرا حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
    وَالنَّفْسُ إِنْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ أَوْ أَبَتْ مُنْقَادَةٌ بِأَزِمَّةِ الْأَقْــــــــــــدَارِ
    فَاقْضُوا مَآرِبَكُمْ عُجَـــــــالًا إِنَّمَا أَعْمَارُكُم سَفَرٌ مِنَ الْأَسْفَـــارِ

  • الدَّجَّال

    الدَّجَّال

    *فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا, قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ, ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ, فَقَالَ: (إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ, وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ, لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ, وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ, تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ, وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ, وَزَادَ مُسْلمٌ: (مَكتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافرٌ, يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ) وَفِي الْمُسْنَدِ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ – أَيْ يَهْرُبَ مِنْهُ – فَوَاللهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَأتِيهِ وهو يَحسَبُ أنَّهُ مًؤمِنٌ, فَيَتَّبِعَهُ مِمَّا يُبْعَثُ مَعَهُ مِن الشُّبُهَاتِ) وَالدَّجَّالُ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ يَخْرُجُ فِي خِفَّةٍ مِنَ الدِّينِ، وَإِدْبَارٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَاخْتِلَافٍ بَيْنَ النَّاسِ وَفُرْقَةٍ, وَتَفْرِيطٍ فِي الصَّلَوَاتِ, وَإِضَاعَةٍ لِلْأَمَانَاتِ، وَقُبَيْلَ خُرُوجِهِ يَكْثُرُ الْفَجَرَةُ, وَالْخَوَنَةُ، وَالظلَمَةُ, وَالفَسَقَةُ، وَيَفْشُو الزِّنَا, وَالْخَمْرُ, وَالرِّبَا، وَتُقَطَّعُ الْأَرْحَامُ، وتُتَّخَذُ الْمُغَنِّيَاتُ, وَتُنْقَضُ الْعُهُودُ، وَتُؤْكَلُ الرِّشْوَةُ، وَيَتَشَبَّهُ النِّسَاءُ بِالرِّجَالِ, وَالرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ، وتَكُونُ القُلُوبُ أَنْتَنٌ مِنَ الْجِيَفِ، وَالْأَلْسِنَةُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَتُلْبَسُ جُلُودُ الضَّأَنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ، وَيُلْتَمَسُ الْفَقْهُ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَتُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، وَتَكُونُ الدُّنيَا بِيَدِ الَأْحْمَقِ اللَّئِيمِ, وَتَرَى الْحُفَاةَ, الْعُرَاةَ, الْعَالَةَ, رِعَاءَ الشَّاءِ, يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ, وَيَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْقَتْلُ, وَيَتَطَاوَلُ الْأَوْغَادُ طَعْنًا فِي الْإِسْلَامِ, وَتَشْكِيكًا فِيهِ.
    مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ, عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ, حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ أَيْ: تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ, وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ, فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ: (مَا شَأْنُكُمْ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ, حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَقَالَ: (غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ وَيَقْصِدُ الرِّيَاءَ, إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ, وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ, وَاللَّهُ خَلِيفَتِى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ, إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ أَيْ: شَدِيدُ جُعُودَةِ شَعْرِ الرَّأَسِ, عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّى أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ, فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ, إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ أَيْ: طَرِيقًا بَيْنَهُمَا, فَعَاثَ يَمِينًا أَيْ: أَفْسَدَ, وَعَاثَ شِمَالًا, يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِى الْأَرْضِ قَالَ: (أَرْبَعُونَ يَوْمًا, يَوْمٌ كَسَنَةٍ, وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ, وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ, وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: (لَا, اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِى الْأَرْضِ؟ قَالَ: (كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ, فَيَأْتِى عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ, فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ, وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ, فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَيْ: مَاشِيَتُهُمْ, أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا أَيْ: أَسْنِمَةً وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا أَيْ: لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ, وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ أَيْ: لِكَثْرَةِ امْتِلَائِهَا مِنَ الشَّبَعِ, ثُمَّ يَأْتِى الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ, فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ أَيْ: مُجْدِبِينَ, لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ, وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ أَيْ: الَّتِي لَا أُنَاسَ فِيهَا وَلَا بِنَاءَ, فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِى كُنُوزَكِ, فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ أَيْ: جَمَاعَةِ النَّحْلِ, ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ أَيْ: يَجْعَلُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ مَسَافَةً بَعِيدَةً, ثُمَّ يَدْعُوهُ, فَيُقْبِلُ, وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ, فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ, فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِىَّ دِمَشْقَ وَهَذِهِ الْمَنَارَةُ مَوْجُودَةٌ الْيَوْمَ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ, بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ أَيْ: ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ, وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ, إِذَا طَأْطَأَ رَأَسَهُ قَطَرَ يَعْنِي مِنَ الْعَرَقِ, وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ أَيْ: يَتَحَدَّرُ مِنْهُ الْعَرَقُ عَلَى هَيَّئَةِ اللُّؤْلُؤِ فِي صَفَائِهِ, فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلاَّ مَاتَ, وَنَفَسُهُ يَنْتَهِى حَيْثُ يَنْتَهِى طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ, ثُمَّ يَأْتِى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ, فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِى الْجَنَّةِ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَحَمَهُ اللهُ: (الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى يَدِ الدَّجَّالِ مِنَ الْآيَاتِ, مِنَ إِنْزَالِ الْمَطَرِ, وَالْخَصْبِ, عَلَى مَن يُصَدِّقُهُ، وَالْجَدْبَ عَلَى مَن يُكَذِّبُهُ، وَاتِّبَاعِ كُنُوزِ الْأَرْضِ لَهُ، وَمَا مَعَهُ مِنْ جَنَّةٍ, وَنَارٍ, وَمِيَاهٍ, وَأَنْهَارٍ، يَجْرِي كُلُّ ذَلِكَ مِحْنَةً مِنَ اللهِ, وَاخْتِبَارًا, لِيَهْلِكَ الْمُرْتَابُ, وَيَنْجُو الْمُتَيَقِّنُ).

    *فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا هَذَا الدُّعَاءَ, كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرَآنِ, يَقُولُ: (قُولُوا: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا, وَالْمَمَاتِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
    وَقَالَ الْإِمِامُ السَّفَّارِينِيُّ رَحَمَهُ اللهُ: يَنْبَغِي لِكُلِّ عَالِمٍ, أَنْ يَبُثَّ أَحَادِيثَ الدَّجَّالِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ, وَالنِّسَاءِ, وَالرِّجَالِ؛ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي اشْرَأَبَّتْ فِيهِ الْفِتَنُ، وَكَثُرَتْ فِيهِ الْمِحَنُ، وَانْدَرَسَتْ فِيهِ مَعَالِمُ السُّنَنِ، وَصَارَتْ السُّنَنُ فِيهِ كَالْبِدَعِ, وَالْبِدْعَةُ شِرْعَةٌ تُتَّبَعُ.
    وَاعْلَمُوا أَنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ, فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ, فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. ثُمَّ بَادِرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا أَرْشَدَكُمْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَهَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالُ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةُ, وَالسَّاعَةُ أَدْهَى, وَأَمَرُّ).

  • الغدر

    الغدر

    [SIZE=6]*فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ, قالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ, وَهُوَ فِى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: (اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ: مَوْتِى، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ، تَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ، حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِى الْأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً, تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا) وَالْغَايَةُ هِيَ الرَّايَةُ, قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِى هَذَا الْحَدِيثِ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ الْغَدْرَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
    وَالْغَدْرُ هُوَ: نَقْضُ الْعَهْدِ, وَتَرْكُ الْوَفَاءِ بِهِ. والْغَادِرُ هُوَ: الَّذِي يُوَاعِدُ عَلَى أَمْرٍ, وَلَا يَفِيْ بهِ.
    وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا, فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ, وَالْمَلَائِكَةِ, وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ, لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلًا, وَلَا صَرْفًا) وَمَعْنَى أَخْفَرَ أَيْ نَقَضَ العَهْدَ.
    وَفِي الْمُسْنَدِ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ, وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ) وفي المتفقِ عليهِ قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا جَمَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَوَّلِينَ, وَالْآخِرِينَ, يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ, فِيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ) وَفِى بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: (يُعْرَفُ بِهِ) أَيْ بِهَذَا اللِّوَاءِ، وَفِى طَرِيقٍ آخَرَ: (يُرْفَعُ لَهُ عِندَ إسْتِهِ) وَفِى طَرِيقٍ آخَرَ: (بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، وَلَا غَادِرَ أَعْظَمَ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: (هَذَا خِطَابٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَرَبِ بِنَحْوِ مَا كَانَتْ تَفْعَلُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرفَعُونَ لِلْوْفَاءِ رَايَةً بَيْضَاءَ، وَلِلْغَدْرِ رَايَةً سَوْدَاءَ؛ لِيَلُومُوا الْغَادِرَ وَيَذُمُّوهُ، فَاقْتَضَى الْحَدِيثُ وُقُوعَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْغَادِرِ, لِيَشْتَهِرَ بِصِفَتِهِ في القيامةِ فَيَذُمَّهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ, وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ وَفَاؤُهُ وَبِرُّهُ، فَيَمْدَحُهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، كَمَا يُرْفَعُ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَاءُ الْحَمْدِ فَيَحْمَدُهُ كُلُّ مَنْ فِي الْمَوْقِفِ) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا:
    أَوَّلًا: غِلَظُ تَحْرِيمِ الْغَدْرِ, خَاصَّةً مِنْ قَائِدِ الْجَيْشِ حِيْنَ يُؤَمِّنُ أَعْدَاءَهُ, ثُمَّ يَغْدِرِ بِهِمْ، لِأَنَّ غَدْرَتَهُ تُنْسَبُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَامُ بَرِيءٌ مِنَ الْغَدْرِ وَأَهْلِهِ, بِخِلافِ غَدْرِ الْأَفْرَادِ، فِهيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهِمْ, فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْكُفارِ عَهْدٌ فَخَافَ قَائِدُ الْمُسْلِمِينَ خِيانَةَ الْكُفَّار, فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْذِرَهُمْ بِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَإمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إليهمْ عَلَى سَوَآءٍ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ).
    ثَانِيًا: رَفْعُ الْعَلَمِ خَلْفَ الْغَادِرِ, تَشْهِيرًا لَهُ بِالْغَدْرِ, وَإِخْزَاءً, وَتَفْضِيحًا لَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ.
    ثَالِثًا: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ لِكُلِّ غَدْرَةٍ لِوَاءٌ, فَيَكُونُ لِلْغَادِرِ أَلْوَيَةٌ بِعَدَدِ غَدَرَاتِهِ.
    رَابِعًا: يَشْمَلُ الْغَدْرُ الْمُتَوَعَّدُ عَلِيْهِ، كُلَّ مَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى دَمٍ، أَوْ عِرْضٍ، أَوْ سِرٍّ، أَوْ مَالٍ, فَخُنْتَهُ, وَأَخْلَفْتَ ظَنَّهُ فِي أَمَانَتِكَ.

    *فَقَالَ الْإمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَالْغَدْرُ حَرَامٌ فِي كُلِّ عَهْدٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ, وَلَوْ كَانَ الْمُعَاهَدُ كَافِرًا, وَأَمَّا عُهُودُ الْمُسْلِمِينَ فِيْمَا بَيْنَهُمْ فَالْوَفَاءُ بِهَا أَشَدُّ, وَنَقْضُهَا أَعَظَمُ إِثْمًا, وَمِنْ أَعْظَمِهَا نَقْضُ عَهْدِ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ تَابَعَهُ وَرَضِيَ بِهِ, فَفِي الْبُخَارِيِّ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَلَا يُزَكِّيهِمْ, وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ – فَذَكَرَ مِنْهُمْ – وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا, فَإِنْ أَعْطَاهُ, وَفَّى لَهُ, وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ, لَمْ يَفِ لَهُ) ويَدْخُلُ فِي الْعُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا, وَيَحْرُمُ الْغَدْرُ بِهَا, جَمِيعَ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِذَا تَرَاضَوا عَلَيْهَا: مِنَ الْمُبَايَعَاتِ, وَالْمُنَاكَحَاتِ, وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا, وَكَذَلِكَ مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا يُعَاهِدُ الْعَبدُ رَبَّهُ عَلَيْهِ مِنْ نَذْرِ طَاعَةٍ, وَنَحْوِهَا.
    وَفِيْ أَبِي دَاوُدَ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ, فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ, فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ) وَالْبِطَانَةُ هِيَ ضِدُ الظَّاهِرِ, أَيْ مَا يُخْفِيهِ الْإِنْسَانُ, وَلَا يُظْهِرُهُ, مِنَ الْمَكْرِ, وَالْخِدَاعِ.
    [/SIZE]

  • تم تعيين عدد من أبناء عشيرة العجي

    تم تعيين عدد من أبناء عشيرة العجي

    ( موقع عشيرة العجي ) خالد الغربي :

    بسم الله الرحمن الرحيم :

    تم تعيين عدد من أبناء عشيرة آل عجي وهم :

    1- محمد سليمان المشيط ( حفر الباطن )

    2- عبدالله بشير المغيص ( منطقة الجوف )

    3- عبدالمجيد عيادة المشيط ( منطقة الجوف )

    4- إبراهيم نهار المغيص ( منطقة الجوف )

    موقع وإدارة عشيرة آل عجي يتمنون لهم دوآم التوفيق والنجاح , والف مبروك .

  • رمضان مسائل فقهية 1

    رمضان مسائل فقهية 1

    *فَقَدْ أَظَلَّنَا شَهْرُ الرَّحَمَاتِ, وَالْبَرَكَاتِ, شَهْرُ الطَّاعَاتِ, وَالصَّدَقَاتِ، شَهْرٌ يُجَازِيِ اللهُ فِيهِ عَلَى الْقَلَيْلِ, بِالْكَثِيرِ، قَالَ : (قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) أَيْ أَنَّ أَجْرَهُ عَظِيمٌ تَكَفَّلَ اللهُ بِهِ لِعِبَادِهِ الصَّائِمِينَ الْمُخْلِصِينَ, وَقَالَ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وَقَالَ : (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ ما تقدمَ من ذنبهِ) وَقَالَ : (مَنْ قامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وَمَعْنَى: (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أَيْ إِيمَانًا باللهِ, واحتسابًا للإجر.
    وَسَأَقِفُ بِكُمْ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الشَّهْرِ: فَمَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ, أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ, وَهُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يُشْفَى مِنْهُ الْمَرِيضُ, إِمَّا بِكَلَامِ الْأَطِبَّاءِ, أَوْ بِمَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ مِنْ طَبِيعَةِ هَذَا الْمَرَضِ, فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ, وَيُطْعِم ُعَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا: رُبْعَ صَاعٍ مِنْ أُرْزٍ, أَوْ حِنْطَةٍ, أَوْ نِصْفَ صَاعٍ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأُرْزِ, وَالْحِنْطَةِ مِنَ الطَّعَامِ, وَإِنْ جَمَعَ مَسَاكِينَ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا فَأَشْبَعَهُمْ, فَلَا بَأْسَ, فِفِي الدَّارَ قُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ عَامًا, فَصَنَعَ جَفْنَةَ ثَرِيدٍ وَدَعَا إِلَيْهَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَأَشْبَعَهُمْ.
    وَيَجِبُ الْفِطْرُ عَلَى الْمَرِيضِ إِذَا كَانَ يَضُرُّهُ الصِّيَامُ, وَالْمَرَضُ الَّذِي يُبَاحُ مَعَهُ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ هُوَ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الصِّيَامُ, أَوْ يُؤَخِّرُ بُرْءَ الْمَرِيضِ, أَوْ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ.
    وَيُسْتَحَبُّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ؛ إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ, فَيُسْتَحَبُ لَهُ الْفِطْرُ, فَإِنْ كَانَتْ الْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ بِحَيْثُ يُخْشَى عَلَيْهِ الضَّرَرُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الصَّومُ, بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ.
    وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُفِقْ أَيْ جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ, فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ, وَلَا الْإِطْعَامُ, فَإِنْ أَفَاقَ جُزْءًا مِنَ النَّهَارِ, كَأَنْ يُفِيقَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ, فَأَمْسَكَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْيَوْمِ صَحَّ صَوْمُهُ, وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
    وَمَن نَوَى الْإِفْطَارَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدْ قَطَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ, فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِ النِّيَّةِ فَالرَّاجِحُ: أَنَّهُ لَا يَنْقطعُ صَوْمُهُ, وَصَوْمُهُ صَحِيحٌ.
    وَمَن اسْتَقَاءَ مُتَعَمِّدًا, وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا, فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ, وَأَمَّا مَن ذَرَعَهُ الْقَئُّ وَلَوْ شَيْئًا كَثِيرًا, فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ.
    وَيُفْطِرُ الصَّائِمُ بِنُزُولِ الْمَنِيِّ, ذَاكِرًا أَنَّهُ صَائِمٌ, وَمُتَعَمِّدًا لِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ, أَمَّا إِنِ احْتَلَمَ فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ.
    وَيُفْطِرُ الصَّائِمُ كّذَلِكَ إِنِ ابْتَلَعَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنَ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَكَلَ, وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا يَسِيرًا, أَمَّا مَا يَكُونُ فِي الْفَمِ, ثُمَّ يَجْرِي طَبِيعَةً مَعَ الرِّيقِ فَلَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ.
    وَيَجِبُ عَلَى الصَّائمِ الْاسْتِنَشَاقُ أَثْنَاءَ الْوُضُوءِ, وَيُنْهَى عَنِ المُبَالَغَةِ فِي سَحْبِ الْمَاءِ إِلَى أَعْلَى الْأَنْفِ, فَإِنْ بَالَغَ فِي الْاسْتِنْشَاقِ, ذَاكِرًا النَّهْيَ عَنْهُ, فَدَخَلَ شَيءٌ مِنَ الْمَاءِ إِلَى حَلْقِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ.
    وَيَفْسُدُ الصُّوْمُ بِالْجِمَاعِ, وَكَفَّارَتُهُ: عِتْقُ رَقَبَةٍ, فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا, وَإِنْ جَامَعَ الصَّائِمُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ, فَأَنْزَلَ, فَصِيَامُهُ فَاسِدٌ, وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ, وَلَا يَقْضِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ إِفْسَادَهُمَا, وَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى, وَيَسْتَكْثِرَ مِنَ النَّوَافِلِ.
    وَلِلصَّائِمِ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ, وَتَكْفِيهِ هَذِهِ النِّيَّةُ عَنِ الشَّهْرِ كَامِلًا, إِذَا لَمْ يَقْطَعْهَا بِفْطْرٍ, بِسَبَبِ سَفَرٍ, أَوْ مَرَضٍ, أَوْ نَحْوِهِمَا, فَإِنْ قَطَعَهَا, فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ النِّيَّةَ مِن جَدِيدٍ.

    *فَالصَّائِمُ لَا يُفْطِرُ إِلَّا بِمَا هُوَ أَكْلٌ, أَوْ شُرْبٌ, مِمَّا يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ, أَوْ إِلَى الدَّمِ فَيُغَذِّيْ الْبَدَنَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى, قَالَ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) وَعَلَيْهِ؛ فَالْإِبَرُ, وَالْمَحَالِيلُ الْمُغَذِّيَةُ مُفَطِّرَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَصِلُ إِلَى الْبَدَنِ فَتُغَذِّيهِ, ومِثلُ ذَلِكَ الْإِبْرَةُ الَّتِي تُعْطَى لِمَنْ عِنْدَهُ نَقْصٌ فِي السُّكَّرِ, وَهِيَ مِنَ الْجُلُوكُوزِ فَيُفْطِرُ بَهَا, أَمَّا الْإِبَرُ الْمُدَاوِيَةُ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهَا, إِذَا كَانَ الْأَطِبَّاءُ يُقَرِّرُونَ أَنَّ هَذِهِ الْإبْرَةَ لَيْسَ فِيهَا غِذَاءٌ, وَإِنَّمَا هِيَ دَوَاءٌ كَالْإِبْرَةِ الَّتِي تُعْطَى لِمَن عِنْدَهُ زِيَادَةٌ فِي السُّكَّرِ, أَوِ الْإِبَرِ الْخَافِضَةِ لِلْحَرَارَةِ.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَبْشِرُوا بِمَوْعُودِ اللهِ، فَرَبُّنَا غَفُورٌ, رَحِيمٌ, يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ, وَيَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ, وَيُجَازِي عَلَى الْعَمَلِ الْيَسِيرِ, بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، قَدْ أَعَدَّ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ, وَجَرَتْ أَنْهَارُهَا, وَتَزَيَّنَتْ حُورُهَا, وَاكْتَمَلَ نَعِيمُهَا, أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
    اللَّهُمْ أَعِنَّا عَلَى صِيامِ رَمَضَانَ, وَقِيامِهِ, وَتَقَبَّلْهُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

  • التفاؤل

    التفاؤل

    *فَفِي الصَّحِيحَيْنِ, قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْل) قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُول اللَّه؟ قَالَ: (الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (لَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ, الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) وَفِي رِوَايَة: (وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ) وَالتَّفَاؤُلُ هُوَ الْكَلِمَة ُالَّتِي تُذكِّرُ الْمَرْءُ بِمَا يَرْجُوهُ مِنَ الْخَيْرِ، فَتُسَرُّ بِهِ النَّفْس، وَيَقْوَى الْعَزْمُ عَنْدَ الْإِنْسَانِ, وَالتَّفَاؤُلُ مُسْتَحَبٌ, لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) رَوَاهُ أَحْمَدَ.
    وَالتَّفَاؤُلُ كَانَ مِنْ هَدْيِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ففِي التِّرْمِذِيّ, أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ يُعْجِبهُ أَنْ يَسْمَعَ: يَا نَجِيحُ, يَا رَاشِدُ. وَفَي أَبِي دَاوُد: كَانَ عليه الصلاة والسلام إِذَا بَعَثَ عَامِلاً يَسْأَل عَنْ اِسْمه, فَإِذَا أَعْجَبَهُ فَرِحَ بِهِ, وَإِنْ كَرِهَ اسْمَه رُئِيَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهه.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَقَدْ رَغَّبَنَا الْإِسْلَامُ فِي التَّفَاؤُلِ؛ لِأَنَّهُ يَشْحَذُ الْهِمَمَ لِلْعَمَلِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْأَمَلُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ النَّجَاحِ, وَمِنْ أَمْثِلَةِ التَّفَاؤُلِ: أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ مَرِيضٌ، فَيَسْمَعُ مَنْ يَقُولُ: يَا سَالِمُ، فَيَقَعُ فِي قَلْبِهِ رَجَاءَ الْشِّفَاءِ لِمَرِيضِهِ بِإِذْنِ اللهِ.
    وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ تَحْوِيلَ رِدَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, بَعْدَ صَلَاةِ الْاسْتِسْقَاءِ؛ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفَاؤُلِ, وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ, لِلْانْتِقَالِ مِنْ حَالِ الْجَدْبِ, إِلَى حَالِ الْخَصْبِ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَنْزِلْ مَطَرٌ, فَقَدْ حَصَلَ الْخَيْرُ بِرَجَاءِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ نُزُولِ الْمَطَرِ.
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَطَعَ رَجَاءَهُ, وَأَمَلَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى, فَإِنَّ ذَلِكَ شَرٌّ لَهُ, وَهُوَ مِنَ الطِّيَرَة والتَّشَاؤُمُ الَّذِي فِيهِ سُوءُ ظَنِّ بِاللهِ, وَتَوَقُّعٌ لِلْبَلَاءِ.
    وَكَانَ التَّطَيُّرُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَقَدْ كَانُوا يُنَفِّرُونَ الظِّبَاءَ وَالطُّيُورَ؛ فَإِنْ أَخَذَتْ ذَاتَ الْيَمِينِ, تَبَرَّكُوا بِهَا, وَمَضَوْا فِي سَفَرِهمْ, وَحَوَائِجِهِمْ, وَإِنْ أَخَذَتْ ذَاتَ الشِّمَالِ, رَجَعُوا عَنْ سَفَرِهِمْ, وَحَاجَتِهِمْ, وَتَشَاءَمُوا بِهَا, فَنَفَى الشَّرْعُ ذَلِكَ, وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ, لَا نَفْعًا, وَلَا ضَرًّا، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَا طِيَرَة) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (الطِّيَرَة شِرْكٌ) أَيْ: اِعْتِقَادُ أَنَّهَا تَنْفَعُ أَوْ تَضُرُّ; إِذْ عَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا مُعْتَقِدِينَ تَأْثِيرهَا.
    وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ, قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ اِبْنِ عَبَّاسٍ, فَمَرَّ طَائِرٌ فَصَاحَ، فَقَالَ رَجُلٌ: خَيْرٌ خَيْرٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا عِنْدَ هَذَا لَا خَيْرٌ, وَلَا شَرٌّ.
    فَعَلَيْنَا مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ نُؤْمِنَ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَنُحْسِنُ ظَنَّنَا بِاللهِ, وَلَا نَتَشَاءَمَ؛ لِأَنَّ الْقَدَرَ قَدْ يُوَافِقُ كَلَمَةً سَيِّئَةً, أَوْ سُوءَ ظَنٍّ بِاللهِ, فَيَقَعُ الْبَلَاءُ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ الْبَلَاءَ مُوكَلٌ بِالْمَنْطِقِ، وَيَصِيرُ بِالْإِنْسَانِ السُّوءُ الَّذِي ظَنَّهُ.
    ثُمَّ إِنَّ التَّشَاؤُمَ يُعَذَّبُ بِهِ صَاحِبُهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ؛ فَتَجِدُ الْبَعْضَ قَدْ يُجْمَعُ لَهُمْ بِسَبَبِ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِرَبِّهِمْ بَيْنَ الْمُصِيبَةِ، وَبَيْنَ الْأَلَمِ, وَالْخَوْفِ, وَالْعَذَابِ, قَبْلَ وُقُوعِ الْمُصِيبَةِ.

    *فَيُوجَدُ فِي بَعْضِ الْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ, وَبَعْضِ الْمَجَلَّاتِ مَا يُسَمَّى بِالْأَبْرَاجِ؛ كَبُرْجِ الْجَوْزَاءِ, وَبُرْجِ الْعَقْرَبِ, وَبُرْجَ الثَّوْرِ وَغَيْرِهَا، وَفِي هّذِهِ الْأَبْرَاجِ: أَيَّامُ نَحْسٍ، وَأَيَّامُ سَعْدٍ، وَأَيَّامُ النَّحْسِ فِي هَذَا الْبُرْجِ, هِيَ نَفْسُ أَيَّامِ السَّعْدِ فِي ذَلِكَ الْبُرْجِ، فَمَنْ وُلِدَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْبُرْجِ, فَهُوَ سَعيدٌ، وَمَنْ وُلِدَ فِي ذَلِكَ الْبُرْجِ, فَهُوَ مَنْحُوسٌ, وَالسُّؤَالُ: مَا دَخْلُ الْبُرْجِ الْفُلَانِيِّ, أَوِ الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ, بِمَصِيرِ الْإِنْسَانِ, وَعَاقِبَةِ أَمْرِهِ؟! وَمَصِيرُ الْإِنْسَانِ, وَعَاقِبَةُ أَمْرِهِ, مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى, وَلَا دَخْلَ لِلْأَبْرَاجِ, فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي نَهْى الشَّارِعُ عَنْهُ.

  • الأصول الثلاثة

    الأصول الثلاثة

    *فَهَذِهِ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرَفَهَا بِالْأَدِلَّةِ، وَأْنْ يَعْمَلَ بِهَا عَن بَيِّنَةٍ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْقِيقِهَا, وَتَكْمِيلِهَا، وَأَنْ يَحْذَرَ مِمَّا يُنْقِصُهَا, وَيَقْدَحُ فِيهَا، وَأَنْ يَجْتَنَبَ كُلَّ مَا يُبْطِلُهَا, وَيُفْسِدُهَا, وَيُنَافِيهَا, فَأَصْلُ تِلْكَ الْأُصُولِ هُوَ: مَعْرِفَةُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الَّذِي رَبَّانَا, وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنَعَمِهِ، وَعَمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ, بِأَلْوَانِ جُودِهِ, وَكَرَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودُنَا, فَلَيْسَ لَنَا مَعْبُودٌ بِحَقٍّ سِوَاهُ (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقيِّمُ) فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُوَحِّدَ اللهَ سُبْحَانَهُ بِأَفْعَالِهِ مِنَ الْخَلْقِ, وَالرِّزْقِ, وَالْمُلْكِ, وَالتَّدْبِيرِ، وَأَنْ نُثْبِتَ لَهُ مَا أَثْبَتَهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ, أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, مِنْ أَسْمَائِهِ, وَصِفَاتِ كَمَالِهِ, وَنُعُوتِ جَلَالِهِ, مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ, وَلَا تَعْطِيلٍ, وَلَا تَمْثِيلٍ, وَلَا تَشْبِيهٍ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ (لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، وَلَا نِدَّ لَهُ فِي إلَاهِيَّتِهِ، وَلَا مَثِيلَ, وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي أَسْمَائِهِ, وَصِفَاتِهِ، وَلَا يَكُونُ أَبَدًا فِي مُلْكِهِ الْعَظِيمِ, عُلْوِيِّهِ, وَسُفْلِيِّهِ, حَرَكَةٌ, وَلَا سُكُونٌ, إِلَّا وَقَدْ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ, وَنَفَذَ فِيهَا حُكْمُهُ، فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ, وَمَا لَمْ يَشَأْ, لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ سُبْحَانَهُ بِأَنَّ يُوَحَّدَ بِأْفْعَالِ عِبَادِهِ, بِأَنْ يَعْبُدُوهُ بِمَا شَرَعَ؛ فَيَنْقَادُوا لَهُ مُخْتَارِينَ, مُسْتَسْلِمِينَ, خَاضِعِينَ, مُحِبِّينَ, مُعَظِّمِينَ, مُجِلِّينَ, مُخْلِصِينَ (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
    مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ الْعِظَامِ, فَهُوَ مَعْرِفَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ, الَّذِي شَرَعَهُ اللهُ وَأَكْمَلَهُ, وَرَضِيَهُ, وَأَتَمَّ بِهِ عَلَيْنَا النِّعْمَةِ, وَقَالَ فِي حَقِّ مِنْ أَعْرَضَ عَنْهُ (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ, مَعْرَفَةُ هَذَا الدِّينِ بِالْحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ, وَالْاسْتِقَامَةَ عَلَيْهِ طَلبًا لِرَضَا الْمَلِكِ الدِّيَّانِ, وَالْإِسْلَامُ ثَلَاثةُ مَرَاتِبٍ:
    أَوَّلًا: الْإِسْلَامُ، وَهُوَ: الْاسْتِسْلَامُ لِلهِ, وَتَوْحِيدُهُ، وَالْانْقِيَادُ لَهُ ظَاهرًا, بِالْأَقْوَالِ, وَالْأَعْمَالِ, وَتَرْكُ الشَّرْكِ, وَخِصَالِهِ, وَذَلِكَ بِتَحْقِيقٍ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهَا اللهُ؛ وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلِهِ إِلَّا اللهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ.
    ثَانِيًا: الْإِيمَانُ, وَهُوَ: الْاسْتِسْلَامُ, وَالْانْقِيَادُ, وَالْإِخْلَاصُ لِهِا بَاطِنًا بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، فَيُؤْمِنُ الْعَبْدُ بِالْأَخْبَارِ الشَّرْعَيَّةِ، وَيُذْعِنُ لِلْأَحْكَامِ الرَّبَّانِيَّةِ, وَذَلِكَ بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورِ, وَاجْتِنَابِ الْمَحْظُورِ، وَالتَّسْلِيمِ لِلْمَقْدُورِ، وَالتَّعَلُّقِ بِاللهِ، وَتَرْكِ الْالْتِفَاتِ إِلَى مَا سِوَاهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، إِنَابَةً لِلهِ, وَمَحَبَّةً لَهُ، وَرَجَاءً لَهُ, وَخَوْفًا مِنْهُ، وَتَعْظِيمًا لَهُ, وَإِجْلَالًا, وَخُشُوعًا، وَخَشْيَةً, وَرَغْبَةً, وَرَهْبَةً.
    ثَالِثًا: الْإِحْسَانُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْاجْتِهَادِ فِي إِيقَاعِ الْعِبَادَةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ, وَأَحْسَنِ الْأَحْوَالِ، بَأَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ذَلِكَ فَاعْلمْ أَنَّ اللهَ يُرَاقِبُكَ: يَسْمَعُ أَقْوَالَكَ، وَيَرَى أَعْمَالَكَ، وَيَعْلَمُ حَالَكَ (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ).
    مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ الْعِظَامِ، فَهُوَ مَعْرِفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وّذَلِكَ بِالْإِيمَانِ بِأَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ حَقًا, وَرَسُولُهُ صِدْقًا، وَأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى الثَّقَلِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَتَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ تَكُونُ: بِأَنْ يُطَاعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَمَرَ، وَيُصَدَّقَ فِيمَا أخْبَرَ، وَيُجْتَنَبَ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللهَ إِلَّا بِمَا شَرَعَ لَنَا، فَمَنْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ, أَوْ زَادَ عَلَيْهِ, فَقَدْ جَفَا وَابْتَدَعَ.

    *فَيَا أَيُّهَا الْمُغْتَبِطُونَ بِرِسَالَةِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، الرَّاجُونَ أَنْ تُحْشَرُوا تَحْتَ لِوَائِهِ، وَأَنْ تَسْعَدُوا بِشَفَاعَتِهِ، وَأَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ فِي زُمْرَتِهِ، اثْبُتُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِسُنَّتِهِ، وَاهْتَدُوا بِهُدَاهُ، وَاحْذَرُوا مِنْ تَلْبِيسِ مَنْ أَعَرْضَ عَنِ السُّنَّةِ, وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.
    وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْأُصُولَ الثَّلَاثَةَ هِي تَحْقِيقُ مَدْلُولِ الشَّهَادَتِينِ, وَالْاسْتِقَامَةِ عَلَى دِينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَمَنْ حَقَّقَهَا عِلْمًا, وَعَمَلًا, وَاعْتِقَادًا, فَقَدْ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَثَبَّتَهُ اللهُ فِي قَبْرِهِ حِينَ يَسْأَلُهُ الْمَلَكَانِ، وَغَفَرَ لَهُ ذَنْبَهُ، وَوَجَبَتْ لَهُ الْجَّنَّةَ, فِفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ: (ذَاقَ طَعْمُ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ باللهِ رَبًّا, وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا) وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: (مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ, وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا, وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا, وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ).

  • اتق الله حيثما كنت

    اتق الله حيثما كنت

    *فقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تمحُهَا، وخالقِ الناسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَتَقْوَى اللهِ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ تَكُونُ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، فَإِنْ وَقعَ الْمُسْلِمُ فِي وَحْلِ سَيِّئَةٍ, كَأَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللهُ عَلَيْهِ, أَوْ يَرْتَكِبَ بَعْضَ الْمَحْظُورَاتِ الَّتِي نَهَاهُ اللهُ عَنْهَا, فَالْوَاجِبُ عَلَيهِ أَنْ يُلْحِقَ هَذهِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ, إِمَّا بِالتَّوْبَةِ مِنْ هَذِهِ السِّيَّئَةِ, أَوْ أَنْ يَأْتِيَ بِحَسَنَةٍ أُخْرَى, فَإِنَّ التَّوْبَةَ مِنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ, تَمْحُ هذهِ السَّيِّئَةَ مِنْ صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ, وَكَذَلِكَ تَمْحُ أَثَرَهَا السَّيِّئِ فِي الْقَلْبِ, قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ثُمَّ خَتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ الْجَامِعَةَ بِالْأَمْرِ بِمُعَامَلَةِ النَّاسِ بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ, وَذَلِكَ بِأَنْ تَتَعَامَلَ مَعَهُم كمَا تُحِبُّ أَنْ يَتَعَامَلُوا مَعَكَ، وَبِذَلِكَ تَجْتَمِعُ الْقُلوبُ، وَتَتَّفِقُ الْكَلِمَةُ، وَتَنْتَظِمُ الْأَحْوَالُ, قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: (حُسْنُ الخُلُقِ: بَسْطُ الْوَجْهِ، وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الْأَذَى). وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا:
    الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى: الْأَمْرُ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى.
    الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ) تَأْصِيلٌ لِمُرَاقَبَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي السَّرِّ وَالْعَلَنِ.
    الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ تَقْوَى الْإِنْسَانِ لَا تَعْصِمُهُ مِن وُجُودِ زَلَّاتٍ, سُرْعَانَ مَا يَتَبَصَّرُ فِيهَا الْمُتَّقِي, وَيَرْجِعُ إِلَى حَالٍ أَفْضَلَ مِن حَالِهِ قَبْلَ الذَّنْبِ, وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ (وَأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا) بَعْدَ قَوْلِهِ (اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ).
    الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْحَسَنَةِ عَقِبَ السَّيِّئَةَ يَمْحُو السَّيِّئَةَ, وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ أَحْيَانًا تَفْرِيطٌ فِي التَّقْوَى: إِمَّا بِتَرْكِ بَعْضِ الْمَأمُورَاتِ، أَوْ بِارْتِكَابِ بَعْضِ الْمَحْظُورَاتِ، فَأَمَرَهُ اللهُ بِفِعْلِ مَا يَمْحُو ذَلِكَ التَّفْرِيطَ, بِأَنْ يُتْبِعَ السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ.
    الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: يُرَبِّي الْحَدِيثُ فِي الْمُسْلِمِ: الْخَوْفَ, وَالرَّجَاءَ، فَتَقْوَى اللهِ تُرَبِّي فْي الْمُسْلِمِ الْخَوْفَ, وَفَتْحُ بَابِ التَّوْبَةِ, وَتَكْفِيرُ السَّيِّئَات يُرَبِّي فِي الْمُسْلِمِ الرَّجَاءَ, وَهُمَا مَنْزِلَتَانِ عَظِيمَتَانِ, مِنْ مَنَازِلِ أَعْمَالِ القُلُوبِ.
    الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ، وَهُوَ مِنْ خِصَالِ التَّقْوَى, الَّتِي لَا تَتِمُّ التَّقْوَى إِلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِلْحَاجَةِ إِلَى بَيَانِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ التَّقْوَى بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللهِ دُونَ حُقُوقِ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بِلِ الْجَمْعُ بَيْنَ حُقُوقِ اللهِ, وَبَيْنَ حُقُوقِ عِبَادِهِ هُوَ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا، وَهُوَ عَزِيزٌ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إِلَّا الْكُمَّلَ مِنَ الْخَلْقِ.
    *فَالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْإِسْلَامَ يَسْعَى لِتَرْبِيَةِ أَهْلِهِ عَلَى زَوَالِ الْعَدَاوَاتِ بَيْنَهُمْ, وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ (وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ).
    الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الْأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ فِي الشَّرِيعَةِ تُبْذَلُ لِلنَّاسِ جَمِيعًا, سَوَاءً أَحْسَنُوا إِلَيْكَ أَوْ أَسَاءُوا, وَلِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأَنَّهَا لَا تُبْذَلُ إِلّا لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ, بَلْ جَعَلَهَا عَامَّةً, فَقَالَ: (وَخَالِقِ النَّاسَ) أَيْ جَمِيعًا مَن أَحْسَنَ, وَمَنْ أسَاءَ.