اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

07:32 صباحًا , الخميس 18 يناير 2018

رحلة إلى قلب النفود

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بسم الله الرحمن الرحيم

الإهـــداء . . .

إلــى كــل القــراء الكــرام
وإلى أخي ســــند الحطاب "أبو خالد"
وإلى الحبيب، والأديـب الســــهيـلــي
علها تضيف ولو أيسـر اليسيرإلى منـارة الفــكر
أو عســـاني أرســـم بها البســمة علـى الشــــفاه

أبو نادر . . .

أحببت أن أوجز لكم أحداث قصة من واقع رحلة قمنا بها إلى قلب النفود التي علمتنا فن الصبر، وروح العزيمة، والدخول في معركة قوامها المجهول والتحدي !! فلم تعد هناك معالم في الصحراء نستدل بها، ولم يكن الذهاب للمجهول أمراً سهلاً ميسراً نظراً لمسالك الدروب العشوائية، فما زالت أحداثها عالقة بالذاكرة حتى هذه اللحظة . .

الموضــوع: رحلة من حائل إلى الخريزة في قلب النفود.
الـزمــــــان: 1415 هـ . . في فصل الصيف.
المسـافـران: سعد وسند محمد الحطاب.
القـصــــــد: توثيق أواصر صلة الرحم مع أبناء فلاح الشاعر الشمروخ "أبناء خالتنا يرحمها الله"

استأجرنا جيب من نوع تايوتا ذو الدفع الرباعي مع إعداد وترتيب كل ما يلزم السفر من أكل، وماء، ووقود احتياطي، وكان كل شيء يسير طبيعياً حتى حدثت أحداثا لم تكن بالحسبان !! كان هناك خوف من عدم معرفة الطريق المودي إلى الجهة المقصودة، وتعريض الرحلة للمخاطرة، أو ربما للهلاك حيث لم تكن وسائل الاتصال متوفرة كما هي الآن كالجوال وتغنية الاتصالات، وابتدئنا رحلتنا بدعاء السفر:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، وتوكلنا على الله بقصد قرية الخريزة لزيارة مذود، وفهيد الشاعر من حائل، إلى الخطة، فالسيبية، وبعد مسيرة ساعات استطعنا أن نصل إلى أرض ليس فيها أي أثر للسيارات، ولم يعد هناك ما يدل على وجود أحد في هذه الأرض المقفرة، وهذا يعني أن العثور على طريق يوصلنا هو أصعب ما في الأمر، وفي هذه اللحظات واصلنا السير بدون أي طريق في اتجاه الشمال، وبعد مسافة طويلة قضيناها بين وحشة الطريق، وخطورته وجدنا أثر ماشية فاطمأننا، وقد دخل إلينا بصيص من الأمل، وبعد لحظات وصلنا إلى هذا المكان . . بيت شعر ثلاثي الأعمدة، وبجواره جيب "شاص" ورجل نهض من داخل البيت فرحب بنا بصوت مرتفع، ورددنا التحية بمثلها، فوظب الفراش بسرعة، وجلسنا عليه، وذهب صاحبنا إلى داخل البيت وأحضر إناء من الماء البارد قد سكبه من القربة، وناولنا إياه فألقى التحية مرة أخرى ثم أتى بالحطب ووضعه في الموقد لأشعال النار للقيام في أعداد القهوة لنا. قلت له: نحن مسافران إلى الخريزة، ولا نعرف كيف نصل إليها
لعدم وجود أثر للسيارات في الأرض، ولعلك تصف لنا طريقاً أو اتجاها لها !! لم يجب الرجل عن سؤالي، ولم يأبه لما سمعه منا!! ثم مالبث أن أشعل النار بالحطب بشكل غير مبالي، فبحلقت بعيني صوب مايجري بذهول واستغراب وأنا أردد بيني وبين نفسي ربما أنه لم يفهم قصدي، ولكن ملامحه كانت خير معبر عما يجول في قلبه ونفسه من نية طيبة، فأستدريت عطفه وسألته مرة أخرى قلت: معتذراً لضيق الوقت، نحن نحتاج معرفتك بالأرض فساعدنا يارجل، ألا ترى؟؟ فقال: الأمر سهلاً جداً، ولكن لن أدلكما على أي شيء قط إلا بعدما أقوم في أعداد القهوة لكما !! وإذا أحتسيتما القهوة وأسترحتما فلكما ما أردتما !!
وماهي إلا لحظات . . حتى جهز صاحبنا القهوة والشاي، والحديث الطيب وأروع ما رأيت هو قيامه بتقليب البُن في المِحْمَصَة فوق الجمر ثم وضعه في الهاون ودقه دقات في إيقاع متزن مما حرك بين أضلعنا نغماً جميلاً، وطبخه حتى رائحة القهوة الزكية قد ملأت أرجاء المكان.
بعد أن تناولنا الفنجان تلو الفنجان، قام صاحبنا، فوصف لنا وصفاً دقيقاً تجاه الشمال، وحذرنا من أن ألا تأخذنا الرمال إلى جهة الجنوب، وبعد أن ودعناه وشكرنا له حسن استقباله وطيب كرمه، واصلنا رحلتنا الطويلة وصارت الأرض أكثر وحشة، فأكثر..لا معالم فيها، وبدأ الخوف يتسلل إلينا مرة أخرى !! رمال كبيرة، وأرض مقفرة، ومن أكثر بقاع الأرض قسوة من حيث الظروف المناخية إذ تبلغ درجة الحرارة آنذاك الوقت أكثر من 45 درجة مئوية، وتغطيها كثبان رملية يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 80 متراً، والشكل الوحيد للحياة في هذه النفود يتمثل في بعض النباتات مثل الغضاء، وأنواع من الحشائش، وتكثر فيها القوارض، والعناكب، والعقارب، والأفاعي أما بالنسبة للإنسان فلا يوجد أحد لقلة المصدر للمياه، وتتحاشى البدو التوغل داخلها، فصار الخوف هو قريننا الوحيد لأن الرحلة وحيدة بدون صحبة أحد في وقت الحاجة، والأرض صحراء رملية وعرة متشابكة، والوقت صيفاً، ولم نعد نعرف تمام المعرفة عن جودة حالة السيارة، ولا وسائل في حالة "التغريز" مثل الصفائح، ومنفخ الهواء ، ولم تكن المؤنه من الماء، والأكل كافية لمدة قد تطول، وليس لدينا وسائل لاسلكية .. لاحول ولا قوة إلا بالله .. عموماً، انقطع النظر عن الأماكن المألوفة، غابت أرضنا المعروفة، وأختلفت الأبعاد. بدأت ضربات القلب بالخوف، وكانت النظرة إلى السماء الزرقاء، والرمال الحمراء تكفي لصب الزيت على نار الخوف، فسرنا، وسرنا بصمت مطبق، وحاولنا إن نقطع حبل الصمت الذي يلتف حول اعناقنا، فقال: أبو خالد ما رأيك لو رفعنا أصواتنا معاً إنشاداً لنخفف من ثقل الوقت، ولنطوي المسافات دون ملل؟؟ وبدأنا بصوت واحد: نطيت رجماً وثاري الليل ممسيني . . . . . بديار غرباً ياعل الســيل ماجاهــا
لاحظ . . . حتى كلمات القصيدة تنم عن الشعور بالغربة والحزن يا إلهي !!
وأثناء انهماكنا بتجاذب الصوت، وإذا بأبي خالد في انفعال يقول: قف !! قف يا رجل !! فتوقفت فوراً، فنزل، وهرع صوب خلفي السيارة ثم فتح بابها الخلفي، وهو يحاول تحريك شيئا ما !!
ثم عاد وهو يحاول أن يخفي قلقه عليّ ليقول: إنه وجد وعاء الماء والثلج قد انقلبَ فانكبَّ وانفتح غطاؤه وانسكب كل ما فيه، ولم يبق به قطرة ماء !! صعقتُ لما سمعته وضربت راحة كفي الأيسر بقبضة يدي اليمنى: لم أكن أتوقع هذا أبداً ولم يكن في الحسبان . . يعني إننا سنموت عطشاً، وما العمل الآن ؟؟ المشكلة التي لم نحسب لها حساباً إننا وضعنا الماء والثلج في إناء واحد، ولم نجعل له احتياطياً لمثل هذه الظروف . . لقد تفاقمت الأزمة ووصلت إلى حدَّ لا يطاق يا الله !! عموما استخرنا الله في أمرنا وتوكلنا عليه فواصلنا المسير بحلق يزدرد ريقه، والخوف في دخائلنا، وليس خوفاً من الموت، بل خوفاً من المجهول، ولم يكن غضباً من القدر، ولكن لماذا صنعنا قدرنا بأيدينا؟؟ ولماذا نشعل النار ضراماً، ثم نتمناها برداً وسلاماً؟؟
لكن الأمر فات، والواقع هو الحاضر، وماعلينا إلا إن نواصل رحلة الخوف.. وسألنا الله أن لا يكلنا إلى نفسينا طرفة عين، وبين الصعود والنزول الفجائي، والإبحار في الرمال المخيفة فقد طفأت ماكينة السيارة فجأة، فتوقفت سيارتنا كأنها عجز نخلة خاوية، وهاهي النهاية المحتومة شئنا أم أبينا !! يا الله . . يا الله، وعندها حاولت تشغيلها، ولكن لاجدوى، يا إلهي . . أيعقل؟ كان الله في عوننا !! أعدت المحاولة مرة، ومرتين، بل مرات، ومرات، وأنا أوبخ كل سيارات تايوتا ومَنْ صنعها، بل صرت ألوم كل الشعراء الذين امتدحوا هذا النوع !! قاطعني أبو خالد قائلا: أذكر الله الأمر بسيط إن شاء الله، ودعنا نكشف غطاء الماكينة لعلنا نرى أو نعرف سبب العطل، وفتحت له غطاء الماكينة، وخبأ رأسه ليتفقدها، فسمعت صوته وهو يقول: أبشر، أبشر .. ها أدر المحرك، أدر المحرك، ثم أدرت المفتاح وإذا بها تشتغل ثم أغلق الغطاء، وعاد مخبراً بأنه وجد سلك إصبع البطارية قد انفصل، وأعاده إلى وضعه الطبيعي .. حمدا لله .. حمدا لله، أخ . . آه . . أيا ربي . . تنهدنا وتنفسنا الصعداء فكانت فرحتنا أكثر من مجرد فرحة . . فأنطلقنا ونحن في حالة لاتوصف من السرور نجتاح رمالاً ليس لها حدود، ولكن كلما ابتعدنا في الأفق زادت مخاوفنا، بل أصابنا نوع من الذعر، ولكن الأمر ما طال كثيراً، فقد لمحت شيئا عن بعد كأنه بيت شعر.. هاهو .. بيت .. نعم بيت .. وعندما اقتربنا إليه، أنطلق رجل من البيت لاشماغ، ولا طاقية على رأسه، وخصلات شعره متناثرة، وازرة جيب صدره مفتوحة ، وأخذ يركض بسرعة نحونا وهو يردد قائلا:
مرحبا . . يا مرحبا . . ثم أشار إلينا بالجلوس في داخل بيت الشعر . . تفضلا استريحا، وهو يكرر الترحيب . . وبدأ كالعادة بتجهيز القهوة في بشاشة، والفرحة تعلو محياه، ولم يخل من فراسة، وسرعة اللمح، وشدة الذكاء حيث أنه عرفنا عندما سألناه عن الجهة المقصودة !! وفي هذه اللحظات سمعنا صوت هواء في أحدى إطارات سيارتنا عندها عرفنا أن الإطار الخلفي قد فرغ من الهواء تماما !!
لا حول ولا قوة إلا بالله . . اللهم يسرها ولا تعسرها، طفقنا لإصلاح الإطار، ولكن صاحبنا حال دون أن يدع مجالاً لنا لإصلاحه .. فقال: ليست من عاداتنا أن نترك ضيوفنا يقومون بأي عمل كان .. هذا عيب !! فاستريحا . .
وقام بإحضار عدة متكاملة من سيارته، وبها كل مايلزم من أدوات الرفع، والفك، والرقع، والتركيب، والربط، وماهي إلا دقائق وقد فصل الإطار، وأعاده
صالحاً سليماً . . بارك الله فيك . . بارك الله فيك أيها النبيل . . دعانا صاحبنا وألح علينا إن نوافق على دعوته للعشاء، فاعتذرنا له، وعزم أن يرافقنا إلى قرية الخريزة التي تبعد ستون كيلومتراً تقريباً من هذا المكان، وشرعنا بالمغادرة معاً برفقته . . وأخيراً ..
ها نحن نقف أمام بيت مذود فلاح الشاعر بعد رحلة من المغامرة والخوف والصبر . . ولكن لم يكن صاحب البيت موجداً حينئذٍ، فكان ساعتها مع الرجال الذين يجتمعون عصراً عند أحد الجيران في فترة احتساء القهوة، فرحبت بنا صاحبة البيت ترحيباً حاراً، وأشارت إلينا أن ندخل ونجلس في القسم المخصص للرجال، وأخبرتنا أن صاحب البيت قريب وسيأتي حالاً، وأن نتولى إعداد القهوة بأنفسنا، وفي هذه إشارة إلى قيام المرأة بدور صاحب البيت في حالة غيابه حرصاً على إكرام الضيوف، وتقديم الواجب، وبياض الوجه، وبفرحة عارمة . . جاء مذود بعد دقائق مسرعاً مهلياً
ومرحباً . . وبعده بلحظات حضر فهيد فأجتمع كل أهل الحي في أمسية بهيجة على مائدة قد غصت صحونها بالولائم ابتهاجاً، وفرحاً بهذه الزيارة السعيدة . . و في اليوم التالي غادرنا تلك القرية الكريمة برجالها لنواصل رحلتنا للعودة . .

الرجل الأول، والثاني من أبناء زميل . .

وبداية بالرجل الأول، ومروراً بالثاني، ونهاية بأبناء فلاح الشاعر، فإننا وجدنا الكرم الأصيل، والنخوة، والشهامة، ورأينا بيوتهم شامخة بكبرياء الكرم تحمل للفخــر معنى، وإن ما ذكرته إنما هو القليل من أفعالهم الكريمة التي ترفع الرأس بالرغم من ظروف النفود التي تحد من إمكانيات أهل البادية، وكم نحن فخورون في أولئك الرجال الذين حرصوا على بذل المعروف، والكمال في الرجولية، وارتقاء المرءوة، ومكارم الأخلاق . .


ودمتم بكل خير . .

بقلم/ سعد الحطاب . .

بواسطة : المشرف العام
 7  1  2.2K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 07:32 صباحًا الخميس 18 يناير 2018.