اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

05:35 مساءً , الخميس 18 يناير 2018

الوطن

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 *فَإِنَّ حُبَّ الْوَطَنِ, وَالتَّعَلُّقَ بِهِ, وَالْحَنِينَ إِلَيْهِ أَمْرٌ فِطْرِيٌ مَرْكُوزٌ فِي النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ، فَهُوَ مَهْدُ الطُّفُولَةِ، وَمَدْرَجُ الصِّبَا، وَمَغْنَى الشَّبَابِ، وَسِجِلُ الذِّكْرَيَاتِ، عَاشَ فِيهِ الْإِنْسَانُ فَأَلِفَ أَرْضَهُ وَسَمَاءَهُ، وَارْتَبَطَ بِسُهُولِهِ وَجِبَالِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ وَنَظَرَ؛ سَيَجِدُ أَنَّ هَذَا الْحَنِينَ أَمْرٌ مَرْكُوزٌ أَيْضًا فِي فِطَرِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ, فَهِيَ تَنْجَذِبُ إِلَى مَوَاطِنِهَا كُلَّمَا فَارَقَتْهَا، وَهَذَا مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي الْكَوْنِ:
وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إِلَيْــــهِمُ * مَآرِبُ قَضَاهَا الشَّبـــَابُ هُنَالِكَا
إِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ خَطَرَتْ لَهُمْ * عُهُودُ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّـوا لِذَالِكَا
بَلَدٌ صَحِبْتُ بِهِ الشَّبِيبَةَ وَالصِّبَا * وَلَبِسْتُ ثَوْبَ الْعَيْشِ وَهُوَ جَدِيدُ
فَإِذَا تَمَثَّلَ فِي الضَّمِيــــرِ رَأَيْتَهُ * وَعَلَيْهِ أَفْنَانُ الشَّبَابِ تَمِيـــــــدُ
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ لَا يَتَنَكَّرُ لِلْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ, فَهَا هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقِفُ بَعْدَمَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُوَدِّعًا مَكْةَ, بَعْدَ أَنْ أُوذِيَ فِيهَا أَشَدَّ أَنْوَاعِ الْأَذَى, فَقَالَ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ: (مَا أَطْيَبَكَ مِنْ بَلَدٍ, وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ, وَلَوَلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ, مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ) وَكَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحِنُّونَ إِلَى مَكْةَ بَعْدَمَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ رَغْمَ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ الَّتِي تَعَرَّضُوا لَهَا فِيهَا, فَهَذَا بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَمَا أَجْهَدَتْهُ حُمَّى الْمَدِينَةِ, قَالَ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً * بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخَرٌ وَجَلِيـــــلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَـــاهَ مَجَنَّةٍ * وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَالْيَوْمَ, وَقَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي بِلَادِنَا بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ فَأَغْدَقَ عَلَيْنَا مِنْ الرِّزْقِ الْحَلَالِ, وَجَعَلَ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَهَيَّأَ لَنَا مِنْ أَسْبَابِ الرَّاحَةِ مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِشُكْرِهِ، وَلَقَدْ كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدِ امْتَنَّ عَلَى قُرَيْشٍ بِبَعْضِ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْنَا, فَقَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) أَلَا وَإِنَّهَا لَمِنَّةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ يَرْزُقَكَ اللهُ الْأَمْنَ وَالْاطْمِئْنَانَ، فِي حِينِ أَنَّ النَّاسَ مِنْ حَوْلِكَ لَا يَهْنَأُ لَهُمْ عَيْشٌ بِسَبَبِ فُقْدَانِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَلَقَدْ خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ بَعْدَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ مُذَكِّرًا لَهُمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ فِي مَكَّةَ, فَقَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أَلَا وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُؤْسِفِ حَقًّا أَنْ تَجِدَ مِنْ بَعْضِ أَبْنَائِنَا مَنْ تَنَكَّرُوا لِأَوْطَانِهِمْ, فَتَقَمَّصُوا لِبَاسَ الْعَدَاءِ لَهَا عَلَى كُلِّ الْأَصْعِدَةِ, وَأَصْبَحُوا يَتَلَقَّفُونَ الشَّائِعَاتِ مِنْ أَعْدَائِهِمْ, فَيُوَالُونَ عَلَيْهَا وَيُعَادُونَ, وَمِنْ ثَمَّ يَبُثُّونَهَا بَيْنَ أَفْرَادِ مُجْتَمَعِهِمْ؛ تَفْرِيقًا لِلْكَلِمَةِ, وَهَدْمًا لِلْمُجْتَمَعِ, وَنُصْرَةً لِلْأَعْدَاءِ, أَلَا وَإِنَّهُ لَيَجْدُرُ التَّنْبِيهُ الشَّدِيدُ يَا رَعَاكُمُ اللهُ عَلَى وُجُوبِ التَّثَبُّتِ دَائِمًا, وَخَاصَّةً فِي أَوْقَاتِ الْفِتَنِ مِنَ الشَّائِعَاتِ الَّتِي فِيهَا إِسَاءَةٌ لِأَيِّ شَخْصٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءً كَانُوا مِن الْأُمَرَاءِ أَوِ الْعُلَمَاءِ أَوِ الْعَامَّةِ؛ صِيَانَةً لِدِينِ الْإِنْسَانِ, وَحِفَاظًا عَلَى اتِّحَادِ الْكَلِمَةِ, وَاجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ, قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

*فَإِنَّ مِنْ مَظَاهِرِ حُبِّ الْوَطَنِ أَنْ يَعْمَلَ الْإِنْسَانُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ أَجْلِ حِمَايَةِ مَكَاسِبِ وَطَنِهِ, وَصِيَانَةِ خَيْرَاتِهِ وَمُقَدَّرَاتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَيْنًا حَارِسَةً لَوَطَنِهِ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ مُتَرَبِّصٍ فِي الدَّاخِلِ أَوِ الْخَارِجِ، أَلَا وَإِنَّ ذَلِكَ - مَعَ تَقْوَى اللهِ وَالشُّعُورِ بِنِعْمَتِهِ - شُكْرٌ لِنِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالرَّخَاءِ, وَاسْتِدَامَةٌ لَهُمَا بِإِذْنِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).
بواسطة : المشرف العام
 0  0  776
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 05:35 مساءً الخميس 18 يناير 2018.