اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

01:48 مساءً , السبت 21 أبريل 2018

حديث: دعاة على أبواب جهنم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 *فَفِي الصَّحِيحَيْنِ, عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ, وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ, فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ, فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ, وَفِيهِ دَخَنٌ) قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: (قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي, تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ, دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا, فَقَالَ: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا, وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ, قَالَ: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ) قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ, قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ: (فَإِنْ تَمُتْ يَا حُذَيْفَةَ وَأَنْتَ عَاضٌ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ) وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ: (فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فَالْزَمْهُ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَإِنْ لَمْ تَرَ خَلِيفَةً فَاهْرُبْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ) وَالْخَلِيفَةُ هُوَ: كُلُّ حَاكِمٍ مُسْلِمٍ يَخْلُفُ حَاكِمًا مُسْلِمًا قَبْلَهُ, وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْضَعَ لِإِمَارَتِهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ.
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَنَّهُ سَيَكُونُ شَرٌّ بَعْدَ الْخَيْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ فِيهِ دَخَنٌ بِمَعْنَى أَنْ لَا يَكُونُ الْخَيْرُ مَحْضًا، بَلْ فِيهِ كَدَرٌ وَظُلْمَةٌ, فَتَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ, أَيْ: تَرَى مِنْهُمْ أَشْيَاءَ مُوَافِقَةً لِلشَّرْعِ، وَأَشْيَاءَ مُخَالِفَةً لَهُ, ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْخَيْرِ الَّذِي فِيهِ دَخَنٌ شَرٌّ؛ وَهُمْ الدُّعَاةُ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ قَوْمِنَا مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا, ثُمَّ خَتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ الْجَامِعَةَ بِالْأَمْرِ بِلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ أَيْ أَمِيرَهُمْ, إِنْ كَانَ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَإِمَامٌ, فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَعْتَزِلَ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ يَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَه الْمَوْتُ وهو عَلَى ذَلِكَ.
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدَ جَلِيلَةٍ, مِنْهَا:
قَالَ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ, مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُصْحِهِ لِأُمَّتِهِ، مَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ لِلْخَلَاصِ مِنَ الْفِرْقَةِ وَالْحِزْبِيَّةِ الَّتِي فَرَّقَتْ جَمْعَهُمْ وَشَتَّتْ شَمْلَهُمْ، وَأَذْهَبَتْ شَوْكَتَهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ تَمَكُّنِ الْعَدُوِّ مِنْهُمْ، مِصْدَاقَ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَفِيهِ دَخَنٌ) فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ, وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ أَئِمَّةَ زَمَانِ الشَّرِّ, فَقَالَ: (دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) فَوَصَفَهُمْ بِالْجَوْرِ وَالْبَاطِلِ وَالْخِلَافِ لِسُنَّتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ دُعَاةً عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى ضَلَالٍ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ: تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَ بِلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِتَفْرِيقِ كَلِمَتِهِمْ وَشَقِّ عَصَاهُمْ.
وَمِنْهَا: ظُهُورُ أُنَاسٍ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا (دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَقْوَالِهِمْ، وَلَكِنْ أَفْعَالُهُمْ تَأْبَى ذَلِكَ حَيْثُ تُنَاقِضُ مَا يَقُولُونَ, قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: عُلَمَاءُ السُّوءِ جَلَسُوا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهَا بِأَقْوَالِهِمْ, وَيَدْعُونَ إِلَى النَّارِ بِأَفْعَالِهِمْ، فَكُلَّمَا قَالَتْ أَفْوَاهُهُمْ لِلنَّاسِ: هَلِمُّوا، قَالَتْ أَفْعَالُهُمْ: لَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ فَلَوْ كَانَ مَا دَعَوْا إِلَيْهِ حَقًّا؛ كَانُوا أَوَّلَ الْمُسْتَجِيبِينَ لَهُ، فَهُمْ فِي الصُّورَةِ أَدِلَّاءُ, وَفِي الْحَقِيقَةِ قُطَّاعُ طُرُقٍ.

*فَإِنَّ مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْجَلِيلِ: تَقَاذُفُ النَّاسِ بِأَرْوَاحِهِمْ نَحْوَ أَحْزَابٍ وَفِرَقٍ وَطَوَائِفَ مَزَّقَتِ الْأُمَّةَ وَأَذْهَبَتْ رِيحَهَا، وَكَأَنَّ اللهَ لَا يُعْبَدُ بِنَظَرِهِمْ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ حِزْبٍ أَوْ طَائِفَةٍ.
وَمِنْهَا: وُجُوبُ اعْتِزَالِ تَلِكَ الْفِرَقِ وَالْأَحْزَابِ, وَعَدَمِ الْانْخِرَاطِ فِيهَا: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) وَالْمَعْنَى تَمَسَّكْ بِمَا يُصَبِّرُكَ وَيُقَوِّيكَ عَلَى اعْتِزَالِهِمْ، وَلَوْ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسَّكًاً, وَعَضُّ أَصْلِ الشَّجَرَةِ كِنَايَةٌ عَنْ مُكَابَدَةِ الْمَشَقَّةِ.
وَمِنْهَا: الْحَذَرُ مِنْ مُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ, قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَتَيْتُ أَبَا مَسْعُودَ الْأَنْصَارِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِتْنَةِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَالْجَمَاعَةُ حَبْلُ اللهِ، وَإِنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَ مِنَ الْجَمَاعَةِ, هُوَ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي تُحِبُّونَ مِنَ الْفُرْقَةِ.
بواسطة : المشرف العام
 0  0  1.1K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 01:48 مساءً السبت 21 أبريل 2018.